تقارير

العربية.. الهوية الضائعة بين العامية ولغة المحتل

 

يفتح موقع الجزيرة الوثائقية ملف ”اللغة العربية“، وتعالج الحلقة الثالثة من هذا الملف والفيلم المرافق لها وضعية اللغة العربية اليوم ومدى ارتباط حالها بحال الوطن العربي. فالعربية اليوم تعيش مخاضا وثورة شك بسبب إشكالية الهوية والصراع مع اللهجات المحلية والعامية من جهة، وبسبب اصطدامها بلغات المحتل الأجنبي.

حبيب مايابى

أرى لرجال الغرب عزاً ومنعة
وكم عز أقوام بعز لغات

لم يرحل المستعمر الأجنبي عن البلدان العربية إلا بعدما ترك قواعد استمرار الاحتلال الضامنة لبقائه في ربوع الأمة، حيث حققت له ثقافته ولسانه من أواصر العلاقة والارتباط ما عجزت عنه جنوده وآلياته العسكرية.

ورغم أن اللغة العربية لديها من المقومات البشرية والروحية والمادية ما يضمن لها البقاء والانتشار بسهولة ونقاء، فإنها تعاني اليوم من تشتت وضياع أملته ظروف التبعية الثقافية وتعدد اللهجات العامية.

وبسبب النخبة المنبهرة بالغرب ولسانه، انتشرت المدارس الناطقة باللسان الأجنبي في جميع الربوع العربية، فأصبحت تُكوِّن الأجيال وفقا لمنهج جديد من الاحتلال.

وبين ضياع العربية في اللهجات المحلية وإهمالها في المؤسسات التربوية أصبح السؤال المطروح: متى نتكلم لغتنا؟ وكيف نحافظ على هويتنا الثقافية؟

هذه الإشكاليات كانت محور الحلقة الثالثة من سلسلة ”اللغة العربية“ التي أنتجتها الجزيرة الوثائقية، وهي بعنوان ”لغتي.. هويتي“.

وتطرق الوثائقي لأزمة الهوية التي يعيشها المواطن العربي بسبب غياب لغته كوسيلة تواصل بين الشعوب المتفرقة. وتحدث في الفيلم عدد من الباحثين وأساتذة الجامعات في محاولة لتشخيص الأسباب وإعطاء تصور لمعالجتها.

وفي كثير من الشوارع العربية وأماكن الملتقيات العامة، تجولت كاميرا الوثائقية ورصدت نقاشات تدور بين المواطنين العرب، لتظهر تباين اللهجات وغرابة لسان الأمة الفصيح.

الهوية المستعمِرة

يصنف حضور اللغة والعمل على حمايتها واحد من أهم مقومات الهوية لأي مجتمع. ولما كانت العربية موحَّدة وموحِّدة للأمة العربية وجسر تواصل بينها وباقي الدول الإسلامية، عمل المستعمِر على إضعافها، فكانت أول ما تسلح له عندما دخل إلى الأراضي العربية، حيث اشتغل على إبعادها عن مناهج التدريس وإقصائها من محيط الإدارة والسياسة.

تقول أستاذة اللغة العربية بجامعة الملك عبد العزيز في السعودية الدكتورة بهاء الطنطاوي ”إن المستعمر أدرك محورية اللغة العربية لارتباطها بالدين الإسلامي وعمل على محاربتها“.

وفي المغرب العربي عمل المستعمر الفرنسي على التقليل من شأن العربية وتصويرها لغة متخلفة لا تصلح لمسايرة الركب الحضاري، ولا يزال ذلك الاحتقار موجودا في ذهنية الشعوب المغاربية.

وفي الخليج تهيمن اللغة الإنجليزية على قطاع التجارة والاقتصاد، ولا تجد العربية الفصيحة مكانتها في الشارع أيضا.

ومع بداية القرن العشرين، بدأ عهد جديد من الانفتاح السلبي على هوية الأمة العربية وثقافتها، ففتحت الجامعات الأجنبية أبوابها، وكثرت المدارس الابتدائية والثانوية التي تدرس بلغات أجنبية ودون التقيد بالمناهج التربوية الخاصة بالدول العربية.

وفي جمهورية مصر العربية، يوجد ما يربو على ثلاثين جامعة تنتمي لدول غربية وتُدرس باللغات الأجنبية.

ولا تختلف هذه الهيمنة اللغوية التي جاءت بإرادة المستعمر عن احتلال الأراضي والثروات الاقتصادية، بل إن الغزو الثقافي أكثر عمقا وضررا.

ولا تزال الدول العربية تعيش انسجاما مع لغة المحتل وغير قادرة على القطيعة معها وفصلها عن الإدارة والسياسة، رغم أن مظاهر الاستقلال تقتضي الاعتزاز باللغة والاعتماد عليها.

وتعتبر اللغة القومية مقوما أساسيا لتطوّر الدولة وتماسك بنيتها، وكثيرا ما تعطي الدول الناشئة الأولوية لفرض لغتها.

فعندما قامت دولة الاحتلال الصهيوني على الأراضي الفلسطينية، كان من أولوياتها فرض العبرية وترسيمها، لأن اللغة هي العروة الوثقى التي بإمكانها أن تحافظ على تماسك المجتمع.

وبعد قدوم مصطفى كمال أتاتورك ووضع معالم الدولة التركية الجديدة، قام بإلغاء جميع المدارس التي تُدرّس باللغات الأجنبية بما فيها العربية والتي هي لغة الدين، وكانت أحرفها هي المستخدمة في كتابة التركية.

وفي كوريا يمنع على الأطفال دخول المدارس الأجنبية أيا كان نوعها، لأن إعداد قادة المستقبل لا يمكن أن يكون تحت رعاية الأجانب.

لكن الدول العربية تسير عكس منطق الأفكار التربوية الناجحة، وتسلم مستقبل أبنائها للآخرين عبر التكوين الفكري والثقافي، فيعتنقون أفكارا لن يستطيعوا التخلص منها في المستقبل.

مع بداية القرن العشرين، بدأ عهد جديد من الانفتاح السلبي على هوية الأمة العربية وثقافتها

العربي المهزوم

في سبعينيات القرن العشرين كان الطفل العربي في المرحلة الأولى من المدرسة يجيد قراءة اللغة العربية بسلاسة، ولكنه في القرن الحادي والعشرين يصل إلى الثانوية ولا يجيد قراءة نص عربي من دون أخطاء.

وفي عدد من البلدان العربية يفوق الوقت المخصص للغة الأجنبية عدد ساعات العربية والدين الإسلامي.

وبعدما كان الانفتاح الحضاري مصدر ثراء لثقافة الأمة وتطوير لغتها، فإنه الآن أصبح مصدرا للخوف بفعل انتشار الجامعات والمدارس التي غزت البلدان العربية.

ويعتقد الغالبية العظمى من الشباب العربي أن القدرة على الحديث بلغة أجنبية سمة التحضر والثقافة ويشعرون معه بالفخر، لكنهم يحسون بالدونية عندما يتحدثون بالعربية الفصحى.

ويرى الأمين العام السابق لمؤسسة الفكر العربي الدكتور سليمان عبد المنعم أن هذه الظاهرة تسمى ”الإعاقة النفسية ذات المرجعية اللغوية“، بينما يرى الدكتور أحمد دباي رئيس قسم التأهيل بالمرصد الأوروبي لتعليم العربية في باريس أن سبب هذه الإعاقة هو ما يُرجعه ابن خلدون لاقتداء المغلوب بالغالب.

وقد ساهم إعجاب المثقفين العرب باللغات الأجنبية إلى القطيعة مع اللسان العربي الفصيح، فعندما يذهب العربي للخارج لا يتكلم لغته، وفي زيارة الأجانب لدولته يتكلم معهم بلسانهم لا بلغته.

وفي حديثه لوثائقي الجزيرة، قال بشير العبيدي رئيس المرصد الأوروبي لتعليم اللغة العربية إن السبب في هذه الظاهرة ”أننا وُجدنا في ظروف جعلتنا ننظر للغتنا بعدم الاهتمام، فالعرب يعيشون حالة من التشويه والتمزيق ولغتهم تختزل ذلك“.

وانطلاقا من تلك المعاناة، يتحتم على المعنيين العمل على ترسيخ قيم الاعتزاز بالذات في قلوب الناشئة بهدف المحافظة على الهوية، لأن من فقد لغته وثقافته فقد كل شيء.

المستعمر أدرك محورية اللغة العربية لارتباطها بالدين الإسلامي وعمل على محاربتها

لغة موحِّدة

في زمن العدوان الثقافي بفعل العولمة وإكراهاتها، تبقى اللغة العربية هي الموحِّد الأهم لهوية الأمة وثقافتها، رغم تنائي الديار وتنوع الأقطار.

ومن المعلوم أن المجتمعات العربية تتألف من إثنيات وأعراق مختلفة، لكن اللغة وحّدتها وجعلت منها تكتلا واحدا يأوي إلى قيم ومشارب ثقافية مشتركة.

وفي حديثه بالوثائقي، يقول المدير السابق بمكتب تنسيق التعريب بالرباط الدكتور إسلموا سيد أحمد إن العمل على استعادة مكانة اللغة العربية ليس فيه إقصاء للأقليات التي تشكل رافدا مهما من روافد مكونات الأمة العربية، ولكن اللغة جزء من الرمزية الأساسية المشتركة.

ويرى عدد من رجال الكنيسة في العالم العربي أنهم جزء من المكون الأساسي للثقافة العربية، وأن كنائسهم شاهدة على ذلك التفاعل والعطاء.

وفي التاريخ الحديث لعب المسيحيون -وخصوصا في لبنان- أدوارا هامة في خدمة اللغة العربية وانتشارها عبر الطباعة والنشر والتأليف والنقد.

وفي حديثه للوثائقي، قال مدير المعهد العالي للدكتوراه بجامعة القديس يوسف، الدكتور جرجورة حرضان ”علينا أن نسلم أن العربية لغة المسلمين والقرآن، لكن ذلك لا ينافي كونها لغة جامعة يمكن أن يستعملها المسلم وغيره“.

في زمن العدوان الثقافي بفعل العولمة وإكراهاتها، تبقى اللغة العربية هي الموحِّد الأهم لهوية الأمة وثقافتها

أزمة تعدد اللهجات

تعددت اللهجات وتنوع الكلام العربي بتعدد الأوطان رغم أن الأصل والمعين واحد، فصارت الدوارج معتمدة ومستخدمة في المحافل ولها أدب خاص وتقام حولها الندوات، فتضاعفت المخاطر على العربية.

يقول الدكتور فؤاد بوعلي رئيس الائتلاف الوطني من أجل اللغة العربية بالرباط ”في التاريخ الإسلامي لم تكن الفصحى لغة التواصل في الشارع بل كانت هنالك دوارج متعددة، لكن الاختلاف مع لغة الشارع أصبح شاسعا“.

وتُعد ظاهرة تفشي العاميات من المخاطر الكبرى التي تهدد أصالة العربية، لأن الفصحى أصبحت صعبة على المتحدثين حتى في المحافل العلمية والثقافية، ففي مصر تناقَش رسائل الدكتوراه باللهجة المحلية.

وتعتبر سيطرة اللهجات المحلية على الشارع ومؤسسات الدولة عقبة تواجه الأجانب الذين يأتون للدول العربية بهدف تعليم العربية وتعزيز قدراتهم الخطابية بها.

يقول مدير تحرير مجلة حراء التركية الدكتور نوزد صواش إن الكثير من الأتراك الذين يحبون لغة الضاد، وعندما يذهبون للدول الناطقة بها تعترضهم الدارجة ويصدمون بالهوة الكبيرة بين الفصحى والعامية، ويجدون أن اللغة المكتوبة ليست هي المنطوقة.

وقد عمل الغرب على إضعاف لغة الإسلام بشتى الوسائل، ففي كثير من الدول الغربية يتم تشجيع الطلاب الباحثين في مجال اللسانيات لإعداد رسائلهم باللهجات الدارجة المنبثقة والخارجة من رحم العربية.

وفي مدينة مراكش بالمملكة المغربية، أقيمت مؤخرا ندوات ومؤتمرات عن كيفية كتابة اللهجات العامية ووضع ضوابط وقواعد لها، مما يعني إضعاف العربية عبر صناعة لغات موازية لها تحاول الدخول في المجال التربوي والأكاديمي.

وحسب الكثير من الخبراء فإن تعدد العاميات لا يمكن معه الالتقاء والاجتماع، والدعوة لاعتماد العامية إنما هو بهدف إضعاف لغة الضاد، وإقصاء العرب من الرمزية الإسلامية التي يتمتعون بها في الدول الإسلامية غير الناطقة باللغة العربية.

تعدد العاميات لا يمكن معه الالتقاء والاجتماع، والدعوة لاعتماد العامية إنما هو بهدف إضعاف لغة الضاد

الإعلام ووسائل التواصل

عندما ظهرت الصحافة العربية المكتوبة، بدأت العناية من جديد باللغة وانتشرت الكتابات الجيدة وأصبح النخبة والكتاب يتباهون بها، وبعد انتشار الإذاعة في القرن العشرين دخلت الفصحى جميع البيوت بعدما كانت حبيسة مجالس الأدباء والمثقفين.

وقد لعبت الأفلام المدبلجة والرسوم المتحركة دورا بارزا في ترسيخ العربية في أذهان المجتمعات، لكن الإعلام اليوم أصبح رخيصا وناطقا بالعامية. وقد زاد من ضرر اللهجات على العربية انتشار الترجمة إلى العامية في المسلسلات التركية التي تحظى بجمهور عريض من الدول العربية.

وفي مواجهة تلك التحديات، لعبت شبكة الجزيرة دورا بارزا في صمود اللغة العربية وبقائها لغة الإعلام والسياسة، وقد تحدث في الوثائقي بعض المختصين وأشادوا بالدور الذي تلعبه الجزيرة في المحافظة على هوية الأمة، لأن البيوت العربية كلها تستمع لنشراتها المحررة بلغة فصيحة تطبعها البساطة.

ويرى الدكتور سليمان عبد المنعم أن الحاجة أصبحت ماسة لوضع ميثاق شرف للمؤسسات الإعلامية في العالم العربي بأن تجعل الأولوية للغة الأمة في العمل الإعلامي.

وتبقى وسائل التواصل الاجتماعي من التحديات الخطيرة التي يستفحل ضررها، لأن أكثر المستخدمين لها من الشعوب العربية لا يكتبون إلا بالعامية، وغالبا ما يكتبونها بالحروف الأجنبية، فأصبحت تُزاحم العربية لا على مستوى التعبير والتحدث فقط وإنما عبر النصوص المكتوبة أيضا.