تقارير

العربية.. عندما يعجز القادة عن تدبير لسانهم

 

يفتح موقع الجزيرة الوثائقية ملف ”اللغة العربية“، وتعالج الحلقة الرابعة والأخيرة من هذا الملف والفيلم المرافق لها التحديات التي تقف عائقا أمام توطين العربية لمعارف العلم الحديث، وتقف مع قضية العولمة التي تشكل تحديا وفرصة في الوقت نفسه، كما يتحدث عن إشكالية غياب الإرادة السياسية لدى الدول العربية، في مقابل إرادة غير عربية لتبني العربية.

حبيب مايابى

في كثير من القرون كان الإنسان العربي يفخر بلسانه ويترجم به فكره وثقافته وينظر الناس إليه بإعجاب، لأنه من رحم ثقافة انتشرت معارفها في جميع الأقطار، وأثّرت وتأثّرت بجميع الحضارات.

وبعد التشتت الذي لحق بالكيان العربي، تضاءل التأثير المعرفي الذي حملت الثقافة العربية لواءه في حقب زمنية عسيرة، فتدهورت الحركة العلمية حتى أصبح الإنسان العربي يستورد الثقافة كما يستورد التجارة.

ويعتبر حال لغة الضاد مرآة تعكس بصورة واضحة الواقع العام الذي تعيشه الأمة العربية، لأن اللغة هي المعبّر الأول عن الإنسان والشخصية الوطنية والكيان الحضاري.

وعلى الرغم من أن البلدان العربية حصلت على استقلالها، فإن لغتها ما زالت في حالة من التراجع والتردي تعكس واقعها وأزمتها.

وعندما كفر العرب بلغتهم، بعث الانتماء الروحي والبعد الحضاري إليها أقواما لإخراجها من حضيض الانحسار إلى عالم التواصل والانتشار.

وضمن سلسلة اللغة العربية التي أنتجتها الجزيرة الوثائقية جاءت الحلقة الرابعة بعنوان“ اللغة العربية.. أزمة إنسان أم أزمة لسان“ وناقشت التحديات والإشكالات التي تواجهها.

في مواجهه العولمة

تلعب اللغة -أيا كانت- دورا هاما في تحقيق النهضة الاقتصادية والسياسية والثقافية، لأن تداول المعرفة بين أفراد المجتمع من روافد التنمية البشرية.

وعلى الرغم من أن العربية مكون أساسي لعملية التنمية الاقتصادية وأداة معرفية لا غنى عنها، فإنها تواجه الكثير من التحديات التي تقف عائقا أمام توطينها لمعارف العلم الحديث.

وتشكل العولمة عقبة متينة وتحديا صعبا للعربية، لأنها صُنعت ونُفذت لصالح قوة دولية واحدة تُشهر راية العداء في وجه الثقافة العربية.

ويَعتبر الباحثون المهتمون بتطوير اللغة أن العولمة تعطي فرصة للعربية رغم ما تشكله من مخاطر على توطينها بين الأمة العربية، فعندما يهتم العرب بلسانهم ويتخذون مناهج مبسطة لتعليمه فإن وسائل العولمة يمكن أن تساعدهم في نشرها عبر نطاق واسع.

ومن التحديات التي تواجه العربية بين الربوع الناطقة بها هيمنة اللغة الأجنبية على قطاع المعارف العلمية والتكنولوجية، كما أن اللهجات المحلية هي الأخرى تشكل عائقا أساسيا يجعل الإنسان العربي لا يعرف بأي لغة يتكلم ويحلم ويتخيل.

وتؤكد التجارب التاريخية أن المجتمعات لم تحقق تطورا اقتصاديا دون الاعتماد على لغتها، لأن اللغة الوطنية هي التي تنتج مجتمع المعرفة الذي يستطيع أفراده تداول المعلومات فيما بينهم باللسان الذي يتحدثون به ويفكرون.

وتعتبر التجربة الماليزية في النهوض الاقتصادي والتكنولوجي مثالا حيا على أهمية العمل على توطين المعرفة، لأن ماليزيا اكتسبت علوم العصر من خلال الاعتماد على لغتها.

يقول رئيس الائتلاف الوطني للغة العربية بالمغرب الدكتور فؤاد علي ”لا يمكن لأي مجتمع أن يحقق نهضة في التنمية الاقتصادية دون الاعتماد على لغته“.

تشكل العولمة عقبة متينة وتحديا صعبا للعربية

استيراد اللغة

 يعتقد كثير من المشرفين على المؤسسات الأكاديمية في العالم العربي أن اللغة العربية غير قادرة على استيعاب المعارف العلمية الحديثة، فيقدمونها بلغات أجنبية.

ومن خلال المناهج التربوية المتبعة في التعليم العالي والتكنولوجي، يتضح أن الدول العربية قررت القطيعة مع لغتها، إذ لا تتم الدراسة في التخصصات العلمية إلا بلغات أجنبية.

والحقيقة أن اللغة العربية غير قاصرة، ولها قدرة على مواكبة المسيرة المعرفية، وتشهد الحركة العلمية أن لغة الضاد استطاعت أن تستوعب العلوم بجميع فروعها طيلة 14 قرنا، ونقلت المعارف والأفكار من جميع الحضارات واللغات، وفي القرون الوسطى كانت العربية هي اللغة العلمية.

ويصنف إهمال العربية في تقديم المعارف الحديثة من الأسباب التي جعلت الغالبية من الشباب العربي يعزف عن الدراسة في الكليات العلمية، ويفضل الالتحاق بالعلوم الإنسانية.

وفي حديثه بالوثائقي، قال الرئيس السابق لقسم اللغة العربية في الجامعة الأردنية الدكتور محمد قضاة ”إن الخلل يكمن في أن القائمين على الكليات العلمية في العالم العربي يعتقدون أن اللغات الأجنبية هي الأفضل ليتعلم بها الطلاب“. ورغم أن الجامعات العربية تبنت الدراسة بلغات أجنبية منذ مدة فإنها لم تحقق تقدما معرفيا ولا سبقا علميا ولا ابتكارا فنيا.

ومن المؤسسات العربية التي سلكت منهجا تربويا ناجحا في توطين المعارف العلمية الحديثة جامعة دمشق التي تدرّس الطب باللغة العربية، ولم يمنعها ذلك المسار المعرفي من النجاح، فالأخصائيون السوريون الذين تعلموا بلغتهم لهم مصداقية كبيرة في الدول الأوروبية.

الدول العربية قررت القطيعة مع لغتها، إذ لا تتم الدراسة في التخصصات العلمية إلا بلغات أجنبية

بين التعريب والتغريب

وخوفا من فوضى التشتت اللغوي الذي يهدد مستقبل ثقافة الأمة وكيان وحدتها، وخروجا من النقاش بشأن ثنائية التعريب والتغريب، قامت الدول العربية بإنشاء مجامع علمية لتوفير المفاتيح الرئيسية للمعرفة من خلال صناعة المصطلحات الحديثة التي يحتاجها الطبيب والمهندس.

وقد قام مجمع اللغة العربية الأردني بتعريب جميع المصادر التي تدرَّس في كلية العلوم بالجامعة الأردنية من رياضيات وفيزياء وكيمياء وأحياء وجيولوجيا.

لكن الدول العربية ككيان له ثقافة موحدة، لم تتفق على المصطلحات والمعارف التي تحتاجها مترجمة لدمجها في مناهجها الأكاديمية، فأصبح لكل دولة جهاز للترجمة يعمل وفق نظرة أحادية وغالبا ما تبقى أعماله حبيسة بين المذكرات التي كتب عليها.

وحسب مدير مجلس إدارة المعهد العربي في باريس الدكتور برونو لوفالوا فإن العالم العربي يفتقر إلى أكاديميات لغوية موحدة في جميع البلدان العربية، فاللغة يجب أن تنتج كل يوم مصلحات جديدة يتبناها الجميع.

الدول العربية ككيان له ثقافة موحدة، لم تتفق على المصطلحات والمعارف التي تحتاجها مترجمة لدمجها في مناهجها الأكاديمية

إرادة غائبة

بيد أن التحدي المطروح أمام تطوير اللغة العربية ليس في المجامع ووحدتها، وإنما في مشكلة الإرادة السياسية، وذلك لأنه لا يوجد توجه رسمي بتدبير عملية الترجمة، فصاحب القرار السياسي لم يفهم جوهرية المكون اللغوي للمجتمع العربي على حد تعبير الدكتور فؤاد علي.

وفي حديثه بالوثائقي قال الدكتور إسلمو سيد أحمد إن العاملين في مجال التعريب يملكون جميع المستلزمات لنقل المعارف وترجمتها، لكنهم يفتقرون لإجراءات عملية معززة بالقرار السياسي.

ولا يمكن تجاوز أزمة اللسان العربي بترجمة بعض المستجدات العلمية، وإنما ينبغي أن نخلق عقلا عربيا يتمتع بتلقائية الإبداع والتفكير والتخيل بلسانه.

وحتى يمكن التأسيس للعقل العربي، لا بد من العمل على إيجاد حركة علمية متداولة تستطيع أن تثمر تألقا معرفيا باللسان الذي جعل الذهن يتذوق ويفكر.

وإذا ما وجدت اللغة العربية عناية واحتضانا سياسيا فإنها تستطيع أن تكون في صدارة اللغات الدولية، حيث إن النطاقين بها يبلغون 422 مليون نسمة، والمستخدمين لها يربون على 1.5 مليار شخص من البشر في مختلف القارات.

ويعتقد بعض الباحثين أن اللغة العربية بدأت تستعيد ألقها لأن المجتمعات العربية تعيش صعودا من الوعي الثقافي سيعزز من مكانة لسانها، كما أن المسلمين في كل مكان يبذلون جهودا في تعلم لغة الإسلام لأنها جزء من هويتهم الدينية.

قامت الدول العربية بإنشاء مجامع علمية لتوفير المفاتيح الرئيسية للمعرفة من خلال صناعة المصطلحات الحديثة

جهود خارجية

في عهد الانفتاح والعلاقات الثقافية والاقتصادية والسياسية، بدأت الكثير من الدول غير الناطقة بالعربية تهتم بلغة القرآن وتضع برامج تعليمية مبسطة للاستفادة منها.

وفي تركيا التي قادت العالم الإسلامي قرونا من الزمن في عهد الإمبراطورية العثمانية، بدأ عهد جديد من الاهتمام بالعربية.

وبحكم الوازع الديني يُعطي الأتراك للغة القرآن اهتماما خاصا، كما أن الانفتاح الاقتصادي على الدول العربية زاد من قيمتها وخصوصا في صفوف الشباب الذين يقبلون على دراستها بشكل كبير.

وفي إصلاحاته التعليمية الجديدة، أدخل الرئيس رجب طيب أردوغان العربية إلى المدارس الرسمية من الابتدائية إلى الثانوية. ويهدف القائمون على أكاديمية إسطنبول إلى تأهيل خمسة ملايين يجيدون العربية في السنوات القليلة المقبلة.

وانطلاقا من المناهج الحديثة التي تبناها الأتراك في تعليم العربية والرعاية الرسمية لها من قبل السلطة السياسية، بدأت العربية تزاحم الإنجليزية بين الأتراك.

وفي فرنسا اتخذت الدولة قرارا رسميا بدمج العربية في المناهج الدراسية من الابتدائية إلى المرحلة الجامعية، وهي الدولة الأوروبية الوحيدة التي تفعل ذلك.

وبدأ الاهتمام بالعربية مع عهد الملك فرانسوا الأول الذي أوصى بتعلم لغة الإسلام، كما أن المستشرقين الفرنسيين تذوقوها وأعجبوا بها.

وفي الأوساط الفرنسية تحظى لغة الضاد باهتمام واسع، ذلك أن ملايين الفرنسيين ينحدرون من أصول جزائرية وبدؤوا يهتمون بموروثهم الثقافي.

ويرى أستاذ اللغة العربية في جامعة السوربون الدكتور أريان طيس أن العربية بالنسبة للفرنسيين أصبحت لغة حية ومهمة لأنها غنية وجميلة.

وعندما بدأت جامعة السوربون الفرنسية في تدريس العربية انطلقت من مبدأ أن اللغة التي لا تساعد على التواصل ليس هي اللغة التي ينبغي أن تركَّز عليها الجهود، فابتعدت عن اللغة الجافة وركزت على المفردات الحية والمُعاشة في الواقع والمسموعة في الأخبار، كما أنهم ينظرون للنحو العربي على أنه وسيلة وليس غاية، ولا ينبغي أن يحول دون الانطلاق ويقف في وجه الناطقين.

يصنف إهمال العربية في تقديم المعارف الحديثة من الأسباب التي جعلت الغالبية من الشباب العربي يعزف عن الدراسة في الكليات العلمية

إهمال عربي

في كل اللغات العالمية ذات البعد الثقافي والحضاري، توجد رعاية رسمية ورؤية للانتشار والتوسع عبر العالم، كالمدارس الإنجليزية والمراكز الثقافية الفرنسية، لكن الدول العربية تهمل لغتها ولا تبذل أي جهد في الرفع من شأنها.

وأغلب السفارات العربية في الدول الغربية لا تضم مراكز ثقافية لتعليم لغتها ونقل أيدولوجياتها وأفكارها.

وقبل سنوات قليلة حصلت إسرائيل على جائزة أفضل منهج أكاديمي لتعليم العربية وتبسيطها، بينما لم تقدم الدول العربية مجتمعة برنامجا موحّدا يستطيع المنافسة في تقديم لغتهم لغير الناطقين بها.

وكل تعليم يحتاج إلى تقييم، واللغات العالمية الكبرى وضعت معايير ومنظومات اختبارية لقياس كفاءات المتواصلين بها في الكتابة والقراءة والاستماع، لكن العربية تفتقر إلى جهاز اعتماد للمتابعة في قياس كفاءة متحدثيها.

يقول الخبير في هندسة اللغة الدكتور محمد حناش إن العربية أصبحت تشهد إقبالا كبيرا، ويصعب على الكفاءات البشرية الإحاطة بمتطلباتها دون الاعتماد على التكنولوجيا، فإذا لم نستطع أن نضع العربية في برامج هندسية حاسوبية لتنتشر عبر الوسائط والشبكات فلن نستطيع أن نستوعب الكم الهائل من الذين يريدون معرفة لغة الضاد ولن نستطيع أن ننشرها بشكل سلس ومبسط في جميع أنحاء العالم.

ورغم الرغبة الكبيرة والمبادرات الكثيرة، فإن العرب ما زالوا عاجزين عن تجاوز الطرق البدائية والكلاسيكية في نشر اللغة العربية.

وليست إشكالية اللغة في العالم العربي إلا جزءا من واقع التعليم الذي يحتاج ثورة في المناهج تجتاح العقول والمناهج والوسائل.