تقارير

القذافي والغرب.. تعاون قذر لتسليم المطلوبين الليبيين

 

في مثل هذا اليوم في عام 2011 كان مقتل الزعيم الليبي العقيد معمر القذافي بعد ثورة شعبية اجتثته واجتثت نظامه، وبهذه المناسبة تتناول الجزيرة الوثائقية عهده ونظامه بفيلمين، فيلم اليوم يتحدث عن التعاون "القذر" بين القذافي والغرب بتسليم الأخيرة معارضيه الفارين من نظامه.

خاص-الوثائقية

كانوا يسمونه "مبعوث الموت"، وبإمكانه الوصول للضحايا في مختلف بقاع الأرض وجلبهم إلى مكتبه وإرسالهم إلى الجحيم، ولم يكن بإمكان أي أحد الاطلاع على خططه ومكائده.

لكن مراكز النفوذ تبدلت في طرابلس منذ 2011، وأصبح بإمكان الناس العاديين بعثرة أسرار ووثائق خازن جحيم القذافي في الفترة من 1994 وحتى 2009.

في إحدى الوثائق التي عُثر عليها في مكتبه، يشكر مدير الاستخبارات الليبية موسى كوسا جهاز "أم أي6" البريطانية على البرتقال الذي أرسلوه له ويبلغهم بأنه استلمه.

لم يصل البرتقال في شحنة مواد غذائية، وإنما في طائرة صغيرة تابعة لوكالة الاستخبارات الأميركية (سي آي إيه).

ومن هذه الوثيقة ينطلق فيلم "القذافي والغرب" لكشف خفايا برنامج سري استمر 10 سنوات، وبموجبه لاحقت الاستخبارات الأمريكية والبريطانية العديد من المعارضين الليبيين وسلمتهم للقذافي.

ومع سقوط نظام القذافي ومقتله في 2011 تكشفت خيوط جديدة عن ترحيل الغرب المعارضين الليبيين إلى نظام القذافي وكيف كان الجانبان ينسقان عمليات الملاحقة والتعذيب.

ابن الشيخ الليبي

قضية التسليم الأولى تتعلق بمحمد الفاخري المعروف بابن الشيخ الليبي الذي اعتقلته القوات الأمريكية في أفغانستان في نوفمبر/تشرين الثاني عام 2001.

وتعد هذه واحدة من أخطر قضايا التسليم في العصر الحديث، ليس لأنها انتهت بمصرع الرجل فحسب، وإنما لكونه أدلى بمعلومات غير صحيحة تحت التعذيب، واتخذها الأميركيون لاحقا مبررا لغزو العراق عام 2003.

يقول شقيقه فرج الفاخري: هددوه بعدة أشياء إذا لم يعترف بأن لديه علاقة بالقاعدة وزعيمها أسامة بن لادن، وبعد اعتقاله رُحّل إلى مصر، والإخوة في مصر في عهد عمر سليمان لم يقصروا معه، ضربوه ونكلوا به وأذاقوه العذاب بشتى أنواعه.

حصل منه المصريون على معلومة تحت التعذيب تقول إن هناك علاقة بين القاعدة ونظام صدام حسين. هذه المعلومات الزائفة سربتها المخابرات المصرية لنظيرتها الأمريكية، واعتمدت عليها واشنطن لتبرير غزوها للعراق.

وفي مقالة تلفزيونية يظهر جورج بوش الابن ليكشف أن الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك أخبره بأن الرئيس العراقي صدام حسين يمتلك أسلحة بيولوجية، والكل كان يعتقد أنه يملكها.

وعند هذا النقطة يطل المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية محمد البرادعي قائلا: أوضح المجتمع الدولي بشكل جلي أنه اكتفى بالإجراءات التي تجري منذ 12 سنة في محاولة لتجريد العراق من أسلحة الدمار الشامل التي يملكها.

لكن إدارة بوش لم تكن تبحث عن أدلة مقنعة، وإنما تريد ذرائع فقط وهو ما وفره لها حلفاؤها في محاربة الإرهاب من خلال الاعترافات داخل السجون السرية.

وعندما استعاد ابن الشيخ الليبي وعيه قال للأميركيين إن المعلومات التي أخذت منه عن العراق انتزعت تحت التعذيب، فصبوا جام غضبهم عليه وحاولوا إرغامه على مواصلة اعترافاته ولكنه رفض.

ولم تكن مصر سوى نقطة البداية في رحلة عذاب استمرت خمس سنوات في السجون السرية، فقد نقل مجددا إلى أفغانستان ومنها إلى المغرب ثم غوانتانامو فألاسكا وصولا إلى أوكرانيا وانتهاء بمطار معيتيقة في طرابلس.

بعد 22 عاما من الغياب القسري سُمح لابن الشيخ باستقبال عائلته في السجن، وبدا في تسجيل مصور سعيدا ومتفائلا. يقول شقيقه: كان لقاء عاطفيا جدا، خليطا من البكاء والفرح والدهشة، وكان رحمة الله عليه يقول: لم أتوقع أن يزورني أحد أو أن أقابل أحدا من العائلة.

وبعد أسبوعين فقط من هذا اللقاء، أعلنت السلطات الليبية أن ابن الشيخ انتحر في السجن في 19 مايو/أيار 2009، ومن دون تحقيق تم دفنه وأجبرت عائلته على التسليم بالأمر دون ضجيج.

ولكن صور الجثة التي حصل عليها فريق التحقيق تضع علامات استفهام إزاء هذا الزعم، ويعلق شقيقه "كان كل عشرة أيام يختم القرآن الكريم ولا يمكن أن ينتحر، يستحيل أن ينتحر".

أعلنت السلطات الليبية أن ابن الشيخ انتحر في السجن في 19 مايو/أيار 2009

إلى واشنطن

خيوط البحث قادت فريق التحقيق إلى واشنطن حيث مقر هيومن رايتس ووتش للقاء خبراء اجتمعوا بابن الشيخ الليبي قبل أيام قليلة من وفاته.

ينظر هؤلاء الخبراء بالكثير من الريبة لرواية الانتحار، وتقول لورا بيتر: قضية ابن الشيخ من أكثر القضايا إرباكا، لقد اعتقلته الولايات المتحدة بشكل غير قانوني وعُذب بوحشية في الولايات المتحدة وليبيا.

وتتابع: ذلك التعذيب أفضى لمعلومات استخباراتية مغلوطة اتخذت ذريعة للحرب على العراق، ونتيجة تلك الحرب قُتل الكثير من المدنيين والجنود الأميركيين.

وتضيف: التقيناه قبل أسبوعين من انتحاره المزعوم، وعندما حدث ذلك أثرنا علامات الاستفهام بشأن ظروف موته وكنا قلقين من أنه لم ينتحر.

كانت سجون القذافي مرتعا للتعذيب والقتل والصعق الكهربائي، وكانت الدول الغربية على علم بذلك، واستمرت في تسليمه المعارضين والاستفادة من دموية أجهزته للربط بين أشياء غير مترابطة؛ القاعدة والجماعة الإسلامية الليبية والقاعدة ونظام صدام حسين.

في إطار التحقيق، عثر الفريق على تقرير سري لـ "سي آي إيه" والاستخبارات الليبية، وقد استفسر الجانب الأميركي عن رد فعل ليبيا إذا ما حصل هجوم على العراق، وهل سبق للعراق أن طلب دعما أو مساعدة من الجماهيرية الليبية، مما يكشف أن أمريكا كانت منشغلة مسبقا بترتيبات غزوها للعراق.

عبد الحكيم بلحاج وسامي الساعدي من ضحايا التنسيق الأمني الليبي مع الغرب

في حضن الغرب

بعد يومين فقط من مقتل ابن الشيخ الليبي، احتفت الخارجية الأمريكية بالمعتصم القذافي كرجل دولة متحضرة ومنسجمة مع المنظومة الغربية.

ومن المعروف أنه بعد الاحتلال الأمريكي للعراق ألقى النظام الليبي بكل أوراقه وسلم برنامجه النووي البدائي السري للولايات المتحدة خوفا من أن يلقى مصير صدام حسين، وهو ما عبر عنه القذافي ذات مرة في إحدى القمم العربية.

كان ذلك عربونا لقبوله عضوا في نادي مكافحة الإرهاب، وسريعا توقف الحديث عن الدكتاتورية الليبية وأُسقطت ليبيا من محور الشر مكافأة للقذافي على هذا التحول.

ولكن هذه لم تكن المكافأة الوحيدة، إنما دُشن برنامج ملاحقة المعارضين الليبيين وتسليمهم لنظام القذافي الدموي. بعدها توالت أخبار الصفقات المليارية بين الشركات الغربية ونظام القذافي الذي خضع لكل الشروط الغربية.

يقول صحفي التحقيقات في صحيفة غارديان أيان كوبين: تعزز التقارب بين البلدين في أعقاب الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001، فقد عقدت الاستخبارات البريطانية اجتماعا مع موسى كوسا بعد أسبوع من ذلك التاريخ.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني من العام ذاته، عقد مسؤولون من الاستخبارات الليبية والبريطانية اجتماعات استمرت لأيام في فندق بأحد المطارات الأوروبية.

حضر هذه الاجتماعات مسؤولون من المخابرات الألمانية والنمساوية وكان هناك اتفاق عام بأن الليبيين قد يكونون مفيدين للغرب.

وتكشف الوثائق أن التعاون الأمريكي الليبي بدأ في فندق قرب مطار روما بحضور عدد كبير من أجهزة الاستخبارات الغربية.

دفع القذافي 50 مليون دولار لحملة الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي

رسالة شكر

في 2012 نشرت هيومان رايتس ووتش تقريرا مطولا يؤكد تورط عدة حكومات غربية في تسليم معارضين للقذافي بعضهم كان في سجن غوانتانامو.

يتفق هذا التقرير مع وثيقة عُثر عليها بعد الثورة الليبية يشكر فيها "كوسا" نظراءه الغربيين على البرتقال الذي أرسلوه له عبر طائرة عسكرية للسي آي إيه في رحلة سرية.

يتعلق الأمر بعبد الحكيم بلحاج الزعيم السابق للجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة الذي استدرجته المخابرات البريطانية وزوجته من ماليزيا إلى تايلند ومن هناك استلمته "سي أي إيه" ووضعته في سجن سري ثم ألبسته بزة برتقالية ونقلته إلى طرابلس.

وتؤكد الوثائق وجود مستوى عال من التنسيق بين مكتب رئيس الوزراء البريطاني ونظام العقيد القذافي. وإلى جانب العبارات الحميمة في المراسلات، هناك إشارات إلى تفاهمات ومصالح ضخمة تتطلع الحكومة البريطانية لتحقيقها عبر العلاقة مع طرابلس.

في حديثها بالفيلم تقول المحامية بمنظمة "ريبريف" الحقوقية كوري كرايدر: تتذكرون الاتفاقية في الصحراء عام 2004 عندما قال القذافي إنه كان سينضم للمجتمع الدولي وبأنهم كانوا محقين، فقد شاهد ما حدث في العراق ولا يريد الذهاب بنفس الطريق، بعد ذلك رُفعت العقوبات وأصبح بإمكان "بريتش بتروليوم" عقد صفقات لجني مليارات الدولارات في ليبيا.

ويبدو توني بلير هو المتهم الأول بالضلوع في تسليم المعارضين الليبيين للقذافي، وقد حاول فريق التحقيق الاتصال به مرات عديدة ولكنه رفض دائما، وكذلك وزير خارجيته جاك سترو.

وهناك جوانب أخرى تؤكد صلات القذافي بالغرب، إذ تقول التقارير إنه دفع 50 مليون دولار لحملة الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي. وهذه المعلومات أكدها الساعد الأيمن للقذافي عبد الله السنوسي، حيث ظهر في فيديو يقول "نعم قدمنا له مساعدة باسم الحكومة الليبية للمساعدة في الحملة".

سامي الساعدي قيادي بالجماعة الإسلامية المقاتلة سابقا

أنا موسى كوسا

ومن طرابلس سرد عبد الحكيم بلحاج وسامي الساعدي كيف خدعتهما بريطانيا وخطفتهما وسلمتهما إلى "سي آي إيه" التي نقلتهما لنظام القذافي.

بلحاج الذي كان في ماليزيا يقول في الوثائقي: سعيت للوصول إلى بلد آمن فيه على نفسي وأضمن فيه حياتي، وللأسف عندما وصلت المعلومة إلى سفارة المملكة المتحدة قالوا لي إنك ستتوجه إلى بريطانيا ولكن عبر بانكوك، وعندما وصلت إلى بانكوك اكتشفت أنها كانت عملية خطف، فهناك سجن سري يتبع وكالة المخابرات الأميركية سي آي إيه.

أثناء التحقيق ضغطوا عليه بوضعية زوجته الحامل، ويروي: حقنوني في ظهري ووُضعت في ناقلة فاقدا الوعي، أحسست بأنني في طائرة وعذبوني أثناء الرحلة.

يتابع: بعد الوصول أمر كوسا بفك الرباط عن عيني وقال لي: هل عرفتني، فأجبت لم أعرفك. قال: أنا موسى كوسا. كان هناك تركيز على أسئلة ليست لي بها أي علاقة وتدور حول ما إذا كانت لدي معلومات عن القاعدة والعمليات الإرهابية.

يضيف: دخلت في إضراب عن الطعام لمدة 21 يوما بسبب إبقاء زوجتي معي في السجن دون أي مبرر، والمعلومات التي أدلينا بها كانت كفيلة بالوصول إلى الحقيقة، وهي أننا لم ننتم للقاعدة ولم نقبل أن ننتمي للقاعدة قناعة منا بأن قضيتنا هي مواجهة النظام الليبي.

ووفق بلحاج فإن الكثير من الذين كانوا في كابل أو في قندهار أو باكستان أو في أوروبا يعلمون هذه القضية "ويعلمون أن رؤيتنا في العمل تختلف عن رؤية تنظيم القاعدة وقطعا هذه الرؤية وصلت للحكومات الغربية".

لكن الأمريكيين بعد 11 سبتمبر/أيلول دخلوا مرحلة هستيرية وأرادوا القيام بضربة استباقية ضد من قد يتحول يوما إلى تنظيم القاعدة، فصنفوا الكثير من الشخصيات والمؤسسات والجماعات في قائمة الإرهاب.

ويروي بلحاج أن فريقا أمريكيا حقق معه في الفترة الأولى لكنه رفض فيما بعد التجاوب معهم انطلاقا من كونه على الأراضي الليبية وليست له علاقة بالقاعدة ولا بأي تنظيم خارج ليبيا.

ويوضح أنه تمسك بأن قضيته تخص أجهزة الأمن الليبية ورفض المثول أمام فريق التحقيق الأميركي. "وقلت لهم: انتهى الأمر، قمتم بتسليمي لجهاز الأمن الليبي الذي يطاردني وها أنا قد وصلت".

ويتابع: لاحقا أصبحت الأسئلة تأتي عبر فريق الأمن الليبي، وكان هناك تعاون وثيق جدا بين الجانبين إلى درجة العمالة.

ومن الزنازين القذرة في طرابلس يتحول الفيلم إلى الشوارع الفسيحة في لندن حيث يكسو الضباب أفق المدينة وتبدو في انتظار هطول المطر.

وفي لندن تحدث فريق التحقيق إلى محامية بلحاج سابنا مالك، لتؤكد أنها اطلعت على وثائق تشير إلى مراسلات وخطابات بين المخابرات البريطانية والسلطات الليبية تبلغها بوجود عبد الحكيم بلحاج وزوجته فاطمة في ذلك الوقت في ماليزيا.

وتوضح أن دفاع الحكومة خال من المضمون، إذ تحاول إخراج القضية من المحكمة بالقول إن الدعاوى تخص الولايات المتحدة وليبيا وماليزيا ودولا أخرى، وأنه ليس للقضاء البريطاني الاختصاص بالفصل فيها.

عبد الحكيم بلحاج قيادي بالجماعة الإسلامية المقاتلة سابقا

من هونغ كونغ إلى الجحيم

أما سامي الساعدي فقد احتُجز في هونغ كونغ عشرة أيام في المطار رفقة زوجته وأطفاله الأربعة وخضع للتحقيق قبل تقييده وترحيله في طائرة مصرية، وانتهى به المطاف في مطار معيتيقة.

التحق الساعدي هو الآخر بجحيم القذافي ومكث سنة وأربعة أشهر في الحبس الانفرادي وبعدها نقل إلى السجن الجماعي.

يقول: يكفي القول إن ابنتي الصغيرة كان عمرها ست سنوات، رأت الاعتقال والقبض والكيس الأسود على وجه الأب والأم والقيود في الأيدي والتخويف والتهديد والشتم وغير ذلك.

كانت وفود من الدول الأجنبية تأتي للتحقيق مع المعتقلين "وأنا شخصيا حقق معي الأمريكيون مرتين في سجن تاغوراء والفرنسيون والإيطاليون والإنجليز".

تجاوزت الحكومات الغربية القوانين التي تحرّم تسليم المعارضين السياسيين للأنظمة القمعية عبر حزمة إجراءات سرية بذريعة مكافحة الإرهاب، وعبر اتفاقات سرية حُجبت عن الجمهور.

اعترفت الحكومة البريطانية بأن السي آي إيه استخدمت دييغو غارسيا -وهي منطقة تابعة لبريطانيا- مرتين لهبوط طائرات التعذيب، وادعوا أن المختطفين لم ينزلوا منها.

وتقول المحامية كرايدر: في عام 2011 وبعد أن تحررت طرابلس وجد بعض ناشطي حقوق الإنسان في مناطق الثورة وثائق قيمة لا تصدق.

وتتابع: وجِدت في مكتب موسى كوسا دلائل تعود لعام 2004 على اختطاف بلحاج وزوجته الحامل، وكذلك الساعدي وزوجته وأبنائه الأربعة وتسليمهم للقذافي. لقد أخذتهما السي آي إيه وفرقت بينهم واحتجزتهم لعدة أيام في مكان مظلم حيث يوجد سجن سري قرب مطار بانكوك، وربطتهم بالجدار كل على حدة.

مصطفى كرير إمام مسجد النور بمونتريال كندا

عرض تسوية

ورغم أقسى أساليب التحقيق، ثبتت براءة بلحاج والساعدي من تهمة الانتماء لجماعة الإرهاب الدولي، مما اضطر الحكومة البريطانية لعرض تسوية، وهو ما يشكل اعترافا ضمنيا بمسؤوليتها عن الخطف والتعذيب.

وقد توصلت الحكومة البريطانية لتسوية مع الساعدي مقابل مليونين و200 ألف جنيه إسترليني، ويوضح الساعدي أن محاميه أشاروا عليه بإغلاق الملف.

ولكن بلحاج رفض كليا التعويض وعرض إسقاط الدعوى مقابل الاعتذار الصريح عما لحق به وزوجته.

وترى كرايدر أن الحكومة البريطانية تخاف من الاعتذار كونه يعني الاعتراف بالذنب وقد يعرض عناصر الاستخبارات لاحقا للمحاكمة وربما للسجن.

بلحاج نفسه يشدد على هذا الموقف قائلا: ما أطلبه تحديدا هو أن يعترف الناس بهذا الخطأ ويعتذروا عنه.. كانت هناك عروض بتسوية مالية مقابل سحب القضية، لكنني رفضت هذا الأمر.

وتقول محامية مالك: إذا ثبت أن مسؤولين بريطانيين قاموا بتعذيب أحد داخل المملكة المتحدة أو خارجها أو تواطؤوا في التعذيب، يجب إرسالهم إلى محكمة الجنايات الدولية.

لكن الأقسى أن عمليات الاختطاف شملت أطفالا من عائلات المعارضين وجرى تسليمهم لنظام القذافي.

وتتوقع كرايدر أن تنتصر المحكمة العليا البريطانية للضحايا الذين تعرضوا للتعذيب "لكن الحكومة ستطلب دوما التأجيل، فلا يوجد حرج أكبر من قيام جهاز الاستخبارات البريطاني باختطاف امرأة حامل وإرسالها لدكتاتور كالقذافي، لا يوجد ما هو أسوأ من ذلك".

ويتأسف كوبين لأن "الأماكن التي يطبق فيها القانون على قدم المساواة قليلة جدا، توجد دعوات متكررة تطالب بتحقيق شامل لمعرفة ما جرى. في الوضع الحالي هناك لجنة برلمانية وضعت تقريرا أحيط بالسرية وصنف بأنه غير قابل للنشر بأمر من رئيس الوزراء البريطاني وبالتشاور مع أجهزة أخرى، ويُتوقع استمرار المخابرات البريطانية في مثل هذه الانتهاكات في أفريقيا وأماكن أخرى حول العالم".

وثيقة مسربة من الاستخبارات الكندية إلى الاستخبارات الليبية

صفقة مشبوهة

أما الإدارة الأمريكية المنخرطة في برنامج الاختطاف والتعذيب مع عدة أنظمة فقد تجاهلت الدعاوى ولم تعرض أي تسوية.

ويُظهر تقرير سري داخلي للأمن الليبي استمرار التعاون مع الاستخبارات الأميركية حتى السنوات الأخيرة.

وجاء في التقرير "تم تزويد الجانب الأميركي بقائمة تحوي بعض أسماء الزنادقة الموجودين في أفغانستان وباكستان وأماكن أخرى متفرقة".

وقد تورطت السي آي إيه في تسليم معارضين ليبيين آخرين بينهم خالد الشريف والمهدي جودة بعد تحقيق قاس استمر أكثر من عام في أفغانستان وفق وثائق حصلت عليها هيومن رايتس ووتش.

ويستغرب خالد الشريف من تسليم الأمريكيين له في صفقة مشبوهة إلى نظام القذافي الذي يعتبر في نظر كثير من الشعب الأمريكي عدوا للولايات المتحدة وقام بعمليات ضد الأمريكيين وساهم في قتل العديد منهم.

وعن هذه المعاناة يتحدث المهدي جودة: المرأة التي كانت مسؤولة عن التحقيق معي قالت: عندما ننقلك إلى مكان آخر سوف تتكلم، ونقلوني من إسلام آباد إلى بغرام وبدأت حياة جديدة.

يقول المهدي: حدثت أشياء يستحي الإنسان أن يذكرها في وسائل الإعلام، التجريد من الملابس لفترة طويلة، والربط بالحائط في الحديد لمدة خمسة أشهر كاملة.

وهنا يعود مخرج الفيلم إلى لورا في واشنطن لتقول: الوثائق التي عثرنا عليها لدى جهاز الاستخبارات الليبي كانت إشكالية جدا، فهي تكشف تعاونا وثيقا بين الأمريكيين والبريطانيين في تتبع واختطاف عدد كبير من المعارضين وتسليمهم للأنظمة.

المخابرات الأمريكية والغربية لفقت أدلة لتبرير غزو العراق وخطفت المعارضين

كندا وإيرلندا

وإذا كانت أمريكا وبريطانيا الأكثر ضلوعا في الخطف والتعذيب، فإن فريق التحقيق اكتشف أثناء إعداد الفيلم أن الحكومة الكندية ضالعة في اختطاف المعارضين وبشكل أكثر خطورة، حتى إنها سلمت إمام مسجد يحمل جنسيتها إلى نظام القذافي.

هذا الإمام هو مصطفى كرير خطيب مسجد النور بمونتريال الذي ارتاب في أشخاص يتعاملون معه بطريقة مريبة وأحدهم أخبره بأنه يريد تأسيس تنظيم إسلامي سري.

يقول كرير إنه رد عليه بأنه لا حاجة لمثل هذا لأن كندا دولة ديمقراطية وبإمكان المسلم أن يدعو إلى الله دون أن يلجأ للنشاطات السرية ولاحقا "علمتُ أن هذا الرجل كان متعاونا مع الأمن الكندي".

ويعرض الوثائقي رسالة من المخابرات الليبية تقول للكنديين: نشكركم جزيل الشكر على معلوماتكم المتعلقة بالقبض على الكندي من الجماعة المقاتلة في صيف 2002 مصطفى محمد كرير ولقبه "فاضل".. نود أن نثمن عاليا استلامنا لمعلومات عن كرير".

لاحقا أرسلته الحكومة الكندية للقذافي ومكث في السجن حوالي سنتين، واكتشف أن الأمريكيين والكنديين كانوا ينقلون كل تحركاته إلى السلطات الليبية.

وعندما غادر السجن فوجئ بأنهم "غسلوا مخ زوجته" وأخبروها بأنه طلقها. يقول كرير: وهذا أكبر جرم، تخريب البيوت وتشتيت شمل الأسر وتشريد الأطفال، هذا أشد خطرا من الضرب بالعصيّ.

وفي إيرلندا كانت هناك قصة معاناة أخرى، فقد واجه المعارض إبراهيم بويصير تحريضا اجتماعيا وحصارا إعلاميا بالتنسيق مع نظام القذافي.

بدأت المراقبة بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول، ودهموا منزله عدة مرات واعتقلوه عدة أيام، رغم أن القانون الإيرلندي لا يسمح بذلك، ثم وضع تحت الإقامة الجبرية وجمدت حساباته ومُنع من السفر.

يقول بويصير: كان هناك تعاون بين الأمريكيين والإيرلنديين والأمن الليبي وموسى كوسا وأمثاله من المجرمين والأمن البريطاني.

ألحقت هذه الإجراءات أذى بليغا بالرجل الذي كان محبوبا في محيطه، ولكنه يقر بأنه كان أفضل حالا من غيره لأن القانون الإيرلندي لا يسمح بالتسليم، "ولأن البلد ثار أهلها على الظلم ويرفضون الظلم".

ويخلص التحقيق إلى أن المخابرات الأمريكية والغربية لفقت أدلة لتبرير غزو العراق وخطفت المعارضين وانتهكت حقوق الأطفال وتورطت في تصفية المشتبه بهم وتضليل القضاء إلى جانب جرائم كثيرة تنتظر العدالة.

وبعد الشهادات المأساوية والنتائج الصادمة، يختم الوثائقي بصور من وسط طرابلس حيث الحمام والنخيل وموج الأبيض المتوسط وأعلام الثورة ووجوه مستبشرة بأفول حقبة البطش والطغيان.