تقارير

اللغة العربية.. السيمفونية المنظومة

 

يفتح موقع الجزيرة الوثائقية ملف ”اللغة العربية“، وتبحر هذه المادة (التي تعد الثانية في هذه السلسلة) والفيلم المرافق لها في مسار الكلام العربي وبداياته، وخصوصيات لغة الضاد من حيث الوزن والبناء الصوتي ووفرة المفردات وثرائها.

حبيب مايابى

في تاريخه الطويل عاش الإنسان العربي في البيداء، واستخدم لغته وغنّاها في الحداء، متذوقا دقتها في الوصف وجمالها في التعبير.

وبعدما كان العرب ينطقون على السجية في الجاهلية وصدر الإسلام، تسرب الوهن واللحن إلى لغتهم ففسدت الأذواق، لكن العارفين والحذاق أدركوا أن الحفاظ على النقاء يستلزم الإبقاء على دقائق المعرفة والإحاطة بالقوانين النحوية والصرفية والفونولوجية والبلاغية والمعجمية، فسارعوا إلى وضع القواعد لضبط مخارج الصوت والحفاظ على روح الأدب والموسيقى.

وفي الحلقة الثانية من سلسلة ”اللغة العربية“ خصصت الجزيرة الوثائقية فيلما بعنوان ”اللغة العربية.. السيمفونية المنظومة“ تطرق لمسار الكلام العربي وبداياته، وخصوصيات لغة الضاد من ناحية الوزن والبناء الصوتي ووفرة المفردات وثرائها.

نشأة الكلام العربي

كان اهتمام العلماء بدراسة اللغة العربية يتمحور حول ماهيتها ونشأتها وأصلها، لكن الدراسات الحديثة تعتبر أن البحث في البدايات لا يدخل في عموميات العلم، وانشغال الفكر الإنساني فيها إنما هو نوع من الرجم بالغيب.

وفي 1897 اتخذت الأكاديمية الفرنسية قرارا ملزما يمنع الجامعات الفرنسية من قبول أطروحات الدكتوراه المتعلقة بنشأة اللغات وبدايتها.

وعندما كان عالِم اللسانيات الفرنسي ”فريدناند دي سوسيير“ -الذي أسس الجانب العلمي في الدراسة اللغوية- يضع ضوابط للتمييز بين الخرافة والأسطورة والفلسفة عن العلم في اللسانيات، كان من الأمور التي تجنّب الحديث فيها موضوع البداية والنشأة.

ورغم أن الباحثين لا يجدون شيئا ملموسا يمكن الاعتماد عليه إزاء موضوع نشأة الصوت العربي، فإن الأنثروبولوجيين يقولون إن استخدام الإنسان لصوته نشأ مع وجوده في الحياة.

وفي حديثه بفيلم الجزيرة، قال المؤرخ والمسرحي العراقي جواد الأسدي إن اللغة بشكل عام نشأت من احتكاك الإنسان بالطبيعة، حيث أثرت فيه أصواتها.

لكن الباحث في علم اللسانيات من جامعة الحسن الثاني المقرئ أبو زيد الإدريسي يرى أن أقوال الاجتماعيين والآراء التي تذهب في ذلك المنحى أغلبها أسطوري ويفتقد للمنطق العلمي.

ويضيف الإدريسي أن أصل الكلام ونشأته يندرج في البدايات التي تعتبر من علم الغيبيات الذي لا يمكن أن يخبر عنه إلا القرآن الكريم.

وفي نصوص الوحي تأكيد أن آدم عليه السلام تلقى علم الأسماء من ربه حيث جاء في القرآن الكريم ”وعلم آدم الأسماء كلها“، مما يعني أن أصل اللغة والأصوات وجد معه، لكن السؤال الجوهري الذي يمكن أن يناقَش بشكل علمي هو: كيف تطورت الأصوات واللغة؟

عالِم اللسانيات الفرنسي ”فريدناند دي سوسيير“ الذي أسس الجانب العلمي في الدراسة اللغوية

تأسيس علم الفونولوجيا

على الرغم من أن استخدام الصوت في التعبير عن الرغبة والحاجة قديم وغير معروف البداية، فإنه من المؤكد أن الإنسان قادر على إنتاج اللغة وتوليدها من عالم محدود من الأصوات إلى الكثير من المفردات المنطوقة، وعبر التاريخ كانت اللغة هي الأثر الذي لا يندثر لحركة المجتمع وتطوره.

ورغم أن اللغة تُروى وتروَّى، فإنها تصلح لأن يُضفيَ عليها كل قوم طابع خاص تمليه حركة الزمان وتنوع المكان.

واللغة في مجملها لا تخرج عن سياقات التعبير عن حاجيات الإنسان وشعوره وأحاسيسه، ولذلك عرّف ”ابن جني“ في كتابه خصائص اللغة بأنها ”أصوات يعبّر بها كل قوم عن أغراضهم“.

ويعتبر كتاب الخصائص لابن جني أشهر كتاب في اللغة العربية وفلسفتها وأسرارها، وقد تعمق في دراسة الأصوات متجاوزا مرحلة النشأة والبداية إلى مرحلة التأصيل والتنظير.

ولئن كان ابن جني رائدا في علم الأصوات وخصص له جزءا كبيرا من دراساته، فإنه بالرجوع إلى الحركة الثقافية للعلماء المسلمين يلاحظ أن الاهتمام بعلم الفونولوجيا بدأ مع ”الخليل الفراهيدي“ حيث ربط بين اللغة والصوت، وصنف الأصوات من خلال المخارج، وألف معجما سماه ”العين“.

وفي معجم العين الذي يعتبر أول قاموس يؤلف في تاريخ اللغة العربية اتبع الفراهيدي منهجية في تقسيم الأصوات ومخارجها، ابتداء بالحلق وانتهاء بالشفتين.

ويرى الباحث في الذكاء الطبيعي الدكتور إلياس المحيو أن معجم العين دقيق وفريد أظهر أن العربية تمتلك نظاما هندسيا دقيقا.

من معجزات نزول القرآن باللغة العربية أنها تستجيب للكليات اللغوية والرياضية والمنطقية التي لا توجد في اللغات الأخرى

وبعدما ربط الخليل بين اللغة والصوت، جاء تلميذه أبو بشر عمر بن عثمان ”سيبويه“ وبحث في قضايا تلازم الأصوات ذاتها، فميز بين صفة الجهر والهمز من جهة، وبين الرخو والشد من ناحية أخرى.

وفي تأليفه المعروف بـ“الكتاب“ وضع سيبويه أساسا لعلم الصوت وربط العلاقة بينه وبين علم الصرف وجعل منه مدخلا لمعرفة علم النحو.

وفي حديثه لوثائقي الجزيرة يقول الباحث والخبير في هندسة اللغة الدكتور محمد حناش إن الكثير من الناس يجهلون حقيقة كتاب سيبويه ويظنونه نحويا بينما هو ينقسم إلى ثلاثة أقسام، النحو والصرف والفونولوجيا.

وتصنف اللغة العربية بأنها لغة المشاعر والعواطف، نظرا للموسيقى الفريدة التي توجد في الصيغ التعبيرية لها.

وانطلاقا من كون القرآن وعاء ومعجما للغة الضاد، فقد كانت البساطة الصوتية هي عنوانها الرئيسي، حيث كثرت الأوزان ذات الجمال الصوتي في مفرداتها.

ويذكر أستاذ اللغة العربية في جامعة عين شمس الدكتور محمد داود أن القرآن الكريم تسيطر الأوزان الثلاثية على لغته.

ومن معجزات نزول القرآن باللغة العربية أنها تستجيب للكليات اللغوية والرياضية والمنطقية التي لا توجد في اللغات الأخرى.

يعتبر كتاب الخصائص لابن جني أشهر كتاب في اللغة العربية وفلسفتها وأسرارها

السبق في هندسة الصوت

يُحكى في التراث الأدبي العربي أن الفراهيدي كان يمر من سوق النحاسين في بغداد، فسمع المطارق تدق الصحون، فقارن بين إيقاع الصوت والشعر الذي كان يردده، فجاءته فكرة تقطيع موسيقى الشعر، فانطلق في بناء علم العروض اعتمادا على هندسة الصوت، ووضع له مصطلحات من داخل اللغة العربية كانت تستخدمها العرب قديما في شد الخيم كالأوتاد والحبال والأسباب.

وكانت التقطيعات الصوتية التي وضعها الخليل ونطقها العرب على السجية في أشعارهم، من خصائص اللغة العربية التي يتناغم نطقها مع موسيقى الشعر.

وتتفرد العربية بمجموعة من المميزات، كونها تحتوي على مجموعة من الأصوات الطويلة والقصيرة تساهم في جمال وقعها الموسيقي، ولذلك يعتبر التجويد ناجحا لأنه يحتوي على هذه الأنغام والإيقاعات.

كما أن العربية تعتبر وحيدة من بين كثير من اللغات التي تسمح بالتقطيع الصوتي والموسيقي في الشعر، لأن بحور الشعر كلها تقطيعات صوتية، وقد ساهم التنوع الفونولجي في اللغة العربية في جعلها لغة موسيقية، ولها أصوات لا توجد في لغات أخرى كالضاد والحاء والقاف.

ورغم أن حرف الضاد يوجد كتابة في اللغة الأردية، فإن المتحدثين بها لا يستطيعون أن ينطقوه مثل ما يفعل العرب، وتلك سمة وميزة صوتية للغة القرآن، وفي الأثر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ”أنا أفصح من نطق بالضاد بيد أني من قريش“.

معجم العين يعتبر أول قاموس يؤلف في تاريخ اللغة العربية

ثراء المفردات

من خلال روافدها الكثيرة كانت لغة القرآن معجزة واكتسبت ثراء من الوحي، فمفرداتها الرسمية ـدون الاشتقاقات تصل إلى 400 ألف كلمة، بينما لا تتجاوز اللغة الإنجليزية 100 ألف، والفرنسية 25 ألف مادة فقط حسب الإحصائيات المعتمدة.

ويَعتبر كثير من الباحثين أن توافر المجاز في اللغة العربية لا يوجد في اللغات الأخرى، وقد سمح لها ذلك بالتمدد والتوسع.

وقد عبر عدد من الأساتذة والباحثين الأجانب المتخصصين في اللغة العربية عن إعجابهم بتوسع مدارك لغة الضاد.

مفردات اللغة العربية الرسمية دون الاشتقاقات تصل إلى 400 ألف كلمة

صعوبات ميدانية

رغم الثراء والخدمة وكثرة الناطقين، فإن لغة العرب اليوم تعاني من مشاكل متعددة ومتنوعة، يرجع أساسها إلى الانقطاع بين لغة الماضي والحاضر.

ولئن كانت العربية قابلة للتطور، فإنها تبقى قوية في المحافظة على قواعدها، فلا يمكن لأي تغيير أن يخالف الأصول والضوابط.

وترجع ظاهرة انحسار اللغة العربية وعزوف أجيال الأمة عن النطق بها إلى الأسلوب التربوي الذي تُقدم به في المدارس.

وفي حديثه بالوثائقي، قال الأستاذ في جامعة الموصل الدكتور منتصر الغدنفري ”إن اللغة العربية واحدة، ولكن المشكلة في طريقة تقديمها إلى المتعلم، فلا بد من ضرب الأمثلة السهلة وانتقاء القصائد الفصيحة الملحنة“.

ويرى بعض المختصين أن المشكلة التي يعاني منها رواد العربية هي صعوبة النحو بحيث أصبح عقبة أمام المتحدثين، فلا بد من العمل على تبسيط قواعده ومعرفة أن النحو إنما هو خادم للعربية وليس هو اللغة.

وكانت اللغة المستخدمة في الفن والغناء من الروافد المهمة التي تحافظ على حضور الفصحى بين العامة، لأن الأغنية تنتشر بسرعة وتبقى كلماتها عالقة في الأذهان بحكم التلحين، لكن لغة الغناء في الوقت الحاضر سقطت إلى الحضيض واعتمدت على اللهجات المكسرة، فزاد ذلك من تعثر لسان الأمة وهزيمته.

وقد أنهى الفيلم رحلته بإلقاء للشاعر راشد عيسى من قصيدته التي يتحسر فيها على لغة الضاد:

قلبي عليك فماذا بعد يا لغتي

قد مل من سفني ميناء أجوبتي

قلبي عليّ، فمرآتي مغبِّشة

ولم تكن قدّ هذا التيه بوصلتي