تقارير

المسيرة الخضراء.. زحفُ الشعب المغربي بالأعلام والمصاحف لطرد الاحتلال

 

خاص-الوثائقية

"غدا إن شاء الله ستخترق الحدود، غدا إن شاء الله ستنطلق المسيرة، غدا إن شاء الله ستطؤون أرضا من أراضيكم وستلمسون رملا من رمالكم وستُقَبّلون أرضا من وطنكم العزيز".

الحديث هنا للملك المغربي الراحل الحسن الثاني، والعبارة مقطع من خطابه الشهير والاستثنائي الذي ألقاه مساء يوم 5 نوفمبر/تشرين الثاني 1975 من مدينة أغادير جنوبي المملكة، معطيا إشارة انطلاق الزحف لنحو 350 ألف مدني مغربي تطوعوا من جميع أنحاء البلاد استجابة لنداء الملك القاضي باسترجاع الجزء الجنوبي من تراب البلاد، والذي كان لا يزال تحت الاستعمار الإسباني رغم مرور 20 عاما من إنهاء معاهدة الحماية التي كانت تخوّل كلا من فرنسا وإسبانيا تقاسم المغرب بينهما كدولتين مستعمرتين.

وكأي أب في أسرته، خاطب الملك ليلتها جموع المتطوعين قائلا: كأب مرشد لك، وكأمير للمؤمنين وقائد لسياستك، سأزودك شعبي العزيز ببعض النصائح:

أولا شعبي العزيز، بمجرد أن تخترق الحدود، عليك أن تتيمم على الصعيد الطاهر بتلك الرمال، ثم تستقبل القبلة وتصلي بأحذيتك -لأنك مجاهد- ركعتين لله تعالى كما قال الفقهاء: "فإذا الحُسن بدا فاسجد له، فسجود الشكر فرض يا أخي".

ثانيا شعبي العزيز، عليك أن تعلم أن هذه المرحلة من المسيرة ليست كسابقاتها، هذه المرحلة تستلزم منك ضبطا أكبر ونظاما أكثر، فعليك أن تكون مطيعا سامعا للذين هم يؤطرونك حتى يمكننا أن نسير بمسيرتنا إلى الهدف المطلوب.

ثالثا شعبي العزيز، إذا ما لقيت إسبانياً كيفما كان عسكريا أو مدنيا، فصافحه وعانقه واقتسم معه مأكلك ومشربك وأدخله مخيمك، فليس بيننا وبين الإسبان غل ولا حقد، فلو أردنا أن نحارب الإسبان لما أرسلنا الناس عزلا بل لأرسلنا جيشنا باسلا، ولكننا لا نريد أبدا أن نطغى ولا أن نقتل ولا أن نسفك الدماء، بل نريد أن نسير على هدى وبركة من الله في مسيرة سلمية".[1]

 

مسيرة 44 عاما

تكتسي اليوم ذكرى "المسيرة الخضراء" -وهو الاسم الذي ألقاه صاحب الفكرة على ذلك الزحف البشري- أهمية خاصة لدى المغاربة، حيث يعتبر السادس من نوفمبر/تشرين الثاني من كل عام عيدا وطنيا تتعطّل فيه الإدارات والمدارس، ويلقي فيه الملك خطابا رسميا إلى الأمة.

في هذا اليوم من كل سنة، يتذكّر آلاف المغاربة يوم ركبوا الشاحنات والحافلات والقطارات وتوجهوا صوب الجنوب تلبية لنداء الملك. تسلّح يومها نحو 350 ألف مغربي بأعلام المغرب والمصاحف القرآنية، وتوجهوا بصدور عارية نحو الجزء المحتل من أرضهم، أي الصحراء التي كانت حينها توصف بالإسبانية، نسبة إلى دولة الاستعمار.

ورغم مرور 44 عاما على ذلك الحدث الذي تابعه العالم في حينه بانبهار كبير، فإن راهنيته لم تخفت، باعتبار أن النزاع على هذه الأرض التي زحف المدنيون المغاربة لاسترجاعها منتصف السبعينيات، مازالت معروضة على أنظار الأمم المتحدة، سواء جمعيتها العامة عبر لجانها المختصة، أو مجلس الأمن الدولي.

وهذا الأخير عقد اجتماعا رسميا قبل أسبوع واحد من حلول ذكرى المسيرة الخضراء، أي يوم الأربعاء 30 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وأصدر قرارا جديدا بمساندة 13 دولة من بين أعضائه الـ15، يقضي بالتمديد مجددا لولاية بعثة الأمم المتحدة المنتشرة في الصحراء المغربية والتي تقوم بمهام حفظ السلام ومراقبة وقف إطلاق النار، ليس بين المغرب وإسبانيا، بل بين المغرب وجبهة "البوليساريو" التي تسعى للانفصال في هذا الإقليم.

فرغم الطابع الرومانسي الذي تتمتع به ذكرى "المسيرة الخضراء" في المخيال الجماعي للمغاربة، فإن تنظيمها، وقبل ذلك التحضير لها وخوض المعارك الدبلوماسية الدولية لها، كان أقرب إلى الحرب منه إلى الذهاب في نزهة بين الكثبان الرملية.

فقد واجه المغرب منذ شروعه في المطالبة بالصحراء بعد استقلاله رفضا إسبانيا شديدا، حيث كانت مدريد تسعى إلى الاحتفاظ بنفوذها في هذه المنطقة الشاسعة والغنية بالثروات الطبيعية والسواحل البحرية الممتدة قبالة جزء الخالدات الإسبانية، وهي إحدى المقاطعات الإسبانية التي تتوسط المحيط الأطلسي.

وإلى جانب خيار الاحتفاظ بسيادتها المباشرة على الإقليم، وضعت إسبانيا خيارا بديلا، يتمثل في منحه استقلالا ذاتيا مع بقائه مرتبطا بالدولة المركزية الإسبانية، وهو ما تحول إلى دعم لمشروع الانفصال وتأسيس دولة مستقلة، حين صادف الإسرار والعزم المغربيان على استرجاع الصحراء -بالسلم كما بالحرب- دخول إسبانيا مرحلة ضعف واضطراب في أواسط السبعينيات، خاصة بعد تدهور صحة دكتاتورها العسكري الذي كان يحكمها آنذاك، أي الجنرال فرانشيسكو فرانكو الذي توفي يوم 20 نوفمبر/تشرين الثاني 1975، أي بعد أسبوعين فقط من المسيرة الخضراء المغربية.[2]

 

أسرار الأرشيف الأمريكي

ظلّت هذه الملحمة الشعبية المثيرة موضوعا للاحتفاء والتمجيد من جانب المغرب بمستوييه الرسمي والشعبي، وكذلك موضوعا للهجوم والتسفيه من جانب خصومه في جبهة البوليساريو وداعميها، تتقدمهم الجزائر المجاورة.

لكن السنوات القليلة الماضية شهدت خروج كمّ هائل من الوثائق السرية إلى العلن، خاصة منها تلك التي يضمها الأرشيف السري للمخابرات المركزية الأمريكية؛ كشفت كيف زحف آلاف المدنيون المغاربة بالفعل على صحراء شاسعة تكاد مساحتها تفوق امتداد الأراضي البريطانية، رافعين أعلام المغرب والمصاحف، لكنها كشفت أيضا الحروب الدبلوماسية والتكتيكات العسكرية الخفية التي رافقتها.

فمرور أكثر من 40 عاما على زمن المسيرة الخضراء جعل كثيرا من الأضواء التاريخية تنير خفاياها، بل وتبيّن الجذور التاريخية العميقة لهذا الحدث، بعيدا عن الخطاب الوطني أو الدعاية السياسية لهذا الطرف أو ذاك.

واحدة من أبرز وثائق الأرشيف الأمريكي السري الذي خرج إلى العلن في السنوات الأخيرة، عبارة عن تقرير مطوّل أعدته وكالة المخابرات المركزية الأمريكية في سبتمبر/أيلول 1974، أي قبل أكثر من عام من انطلاق المسيرة الخضراء. وتتميّز هذه الوثيقة الاستخباراتية بطابعها الشامل، حيث تناولت الموضوع من زواياه التاريخية والجغرافية والديمغرافية والسياسية والاقتصادية تسهيلا منها لمهمة الإدارة الأمريكية في اتخاذ المواقف المناسبة تجاه الصراع المغربي الإسباني الذي اشتد وقتها.

وتكشف الوثيقة كيف حرصت واشنطن على إبقاء موقفها في منطقة الحياد، لكون المصالح الأمريكية في هذا الإقليم لا تستحق التضحية بالعلاقات مع أي من الطرفين. ونقرأ في الوثيقة كيف أن الأمر يتعلّق بنزاع إسباني مع ثلاث دول حول الصحراء وهي كل من المغرب والجزائر وموريتانيا.

وتضيف الوثيقة أن مسارعة البرتغال إلى منح الاستقلال لمستعمراتها السابقة في أفريقيا، جعل المغرب يرفع من حدة مطالبه باسترجاع الصحراء من يد الاستعمار الإسباني، بينما لعبت مدريد ورقة تنظيم استفتاء شعبي حول مصير الإقليم قبل انسحابها منه.[3]

أما الوجود الإسباني في الصحراء فيعود حسب تقرير الـ"سيا" نفسه إلى خمسة قرون كاملة قبل المسيرة الخضراء، وتحديدا إلى عام 1476، لكن سيطرتها الفعلية عليه لم تكتمل إلا أواخر القرن الـ19 أثناء ما يعرف بمؤتمر برلين (1885) الذي تقاسمت فيه القوى الاستعمارية الأوروبية مجالات النفوذ في أفريقيا، حيث باتت إسبانيا تسيّر الصحراء إداريا انطلاقا من جزر الخالدات المقابلة لسواحلها. وفي الوقت الذي امتدّ فيه النفوذ الفرنسي من السينغال نحو موريتانيا، دخلت الدولتان الأوروبيتان في بداية القرن الـ20 في مفاوضات انتهت برسمهما حدودا فاصلة بين الصحراء -التي تعرف في الوثائق الدولية باسم "الصحراء الغربية"- وبين موريتانيا.

 

معركة التحرير

بعد اندلاع المقاومة الشعبية -السلمية والمسلحة- ضد الوجود الاستعماري الفرنسي الإسباني في المغرب أواسط القرن العشرين، شملت هذه المقاومة أراضي الصحراء الواقعة جنوب المملكة، وهو ما دفع مدريد إلى إعلانها محافظة خارجية تابعة لها، وذلك عام 1958، أي بعد سنتين من استقلال المغرب في جزئه الشمالي.

ركّزت مدريد في فترة ما بعد استقلال المغرب على تكثيف الاستثمارات الاقتصادية في ثروات الصحراء، خاصة منها الفوسفات والحديد، كما أسست أداة سياسية محلية تدعى "الجماعة"، وهي عبارة عن مجلس يضم 45 من شيوخ القبائل و40 منتخبا، وهي الأداة التي كانت تدين بالولاء لإسبانيا وترفض فكرة الانفصال عنها، حسب وثيقة الاستخبارات المركزية الأمريكية.[4]

الوثيقة نفسها تقول إن سكان هذه المناطق الصحراوية الشاسعة "كانوا تاريخيا يقبلون بالسلطة الدينية لسلطان المغرب"، مؤكدة وجود دلائل على تحركات عسكرية مغربية في هذه المنطقة منذ القرن العاشر الميلادي، ومؤكدة أيضا أن مداها كان يصل إلى غاية الأراضي الواقعة تحت السيادة المالية والموريتانية حاليا.

في مقابل ذلك، يسجّل هذا التقرير الاستخباراتي المعمّق كيف أن جل سكان الإقليم هم من البدو والرحّل الذين يتنقلون باستمرار، موضحة أن شعور الانتماء الأول لديهم يرتبط بالقبيلة أكثر من الدولة. وقدّرت الـ"سيا" حينها مجموع سكان الصحراء بنحو 60 ألفا، منهم قرابة 17 ألف إسباني يستوطنون الأرض المستعمرة.

 

مصالح إسبانية

أما عن جوهر النزاع المتصاعد حينها على حسم السيادة على الصحراء، فتقول وثيقة المخابرات المركزية الأمريكية إن الموقف الإسباني يرتبط أساسا بالمصالح الاقتصادية، حيث تطالب مدريد باسترجاع قرابة 200 مليون دولار من الاستثمارات التي قامت بها فيه قبل انسحابها منه.

وتضيف الوثيقة أن الملك المغربي الحسن الثاني، وبمجرد علمه باستعداد الجنرال فرانكو لتنظيم استفتاء في الصحراء، قامت إسبانيا بالترتيبات اللازمة لتكون نتيجته هي البقاء تحت سيادتها؛ سارع إلى توجيه تحذيرات مباشرة إلى إسبانيا، داعيا إياها إلى الانسحاب دون مناورات.[5]

تكشف الوثيقة كيف قام الحسن الثاني بإرسال تعزيزات عسكرية إلى محيط مدينتي سبتة ومليلية الواقعتين شمال المغرب واللتين تستعمرهما إسبانيا منذ قرون، مطالبا بانسحاب كلي لإسبانيا من الصحراء قبل تنظيم أي استفتاء، ومشترطا مشاركة أكثر من 20 ألف مغربي في هذا الاستفتاء، لكونهم ينحدرون من قبائل الصحراء برأيه.

وبعد تطرقها للشق المغربي الإسباني، تعود الوثيقة الاستخباراتية الأمريكية لتقول إن الخلاف الحقيقي والأصعب هو بين المغرب والجزائر، مقللة من أهمية المطالب الموريتانية في الإقليم، حيث تقول إن نواكشوط تشهر هذه المطالب لاتقاء الطموحات المغربية المحتملة باسترجاع موريتانيا إلى سيادته، حيث لم يكن المغرب قد اعترف باستقلال موريتانيا بسهولة. ووفقا للوثيقة فإن "كل ما تريده موريتانيا هو قيام دولة عازلة بينها وبين المغرب، سواء كانت مستقلة أو تابعة لإسبانيا".

أما الجزائر، فيقول تقرير الـ"سيا" إنها لا تقدم مطالب ترابية في هذا الإقليم بقدر ما تعترض على ضمه إلى المغرب لاعتبارات سياسية وأمنية. وتحيل الوثيقة الخلاف المغربي الجزائري بهذا الشأن إلى امتدادات الخلاف بين البلدين الجارين على ترسيم حدودهما، والحرب العسكرية التي دارت بينهما عام 1963.. وتوضح الوثيقة الأمريكية أن مسؤولين جزائريين يحبذون فكرة تنظيم استفتاء يفضي إلى استقلال الصحراء، فـ"الجزائر لا تريد أن ترى المغرب يمدد مجال سيادته، خاصة أنها تتوفر على مخزونات كبيرة من الحديد في منطقة تندوف قرب الحدود مع الصحراء الإسبانية، وهي ترغب في تصديره عبر الساحل الأطلسي للصحراء".[6]

 

إعلان مفاجئ

استغرق تحضير الملك الحسن الثاني للمسيرة الخضراء شهورا طويلة، التزم خلالها بتكتّم شديد، حيث كلّف مجموعة صغيرة من كبار مسؤولي الدولة وقادة الجيش بتنفيذ خطة محكمة لتوفير المؤونة الغذائية واللوجستية اللازمة لنقل وإيواء 350 ألف شخص دون أن يعرف جلّهم سبب هذه التحضيرات. ولم يعلن الملك عن تنظيم هذه المسيرة إلا يوم 16 أكتوبر/تشرين الأول 1975، أي قبل ثلاثة أسابيع فقط من الموعد المحدد لانطلاقها.[7]

كان الملك الراحل قد مهّد لقراره هذا بطلب رأي من محكمة العدل الدولية، حيث وجّه إليها -بمعية موريتانيا- سؤالا عما إذا كانت الصحراء أرضا خلاء حين استولت عليا إسبانيا أم أن روابط معينة كانت تربطها بسلاطين المغرب؟ فكان الجواب معترِفا بوجود روابط دينية تتمثل في البيعة بين سكان الصحراء وبين الملوك العلويين.

وبادر الحسن الثاني بعد هذه الخطوة إلى دعوة المغاربة إلى مسيرة سلمية نحو الصحراء، معتبرا أنها قد فتحت لهم أبوابها، و"لم يبق شعبي العزيز إلا شيء واحد، إننا علينا أن نقوم بمسيرة خضراء من شمال المغرب إلى جنوبه ومن شرق المغرب إلى غربه"، كما يقول الحسن الثاني في خطاب 16 أكتوبر/تشرين الأول 1975.[8]

خلف الوجه السلمي والأسطوري للمسيرة الخضراء يوجد وجه آخر عسكري، إذ كان الملك الحسن الثاني قد حضّر للمسيرة الخضراء كما لو يستعد للحرب، حيث كان احتمال تحوّلها إلى مواجهة مسلحة واردا. فقد بدأ المغرب في تحصيل العتاد العسكري قبل شهور طويلة من المسيرة الخضراء، وباشر ضغوطه الدبلوماسية القوية تجاه واشنطن للاستجابة لحاجته التي تقول وثائق الأرشيف الأمريكي إنها كانت تتمثل أساسا في دبابات من الطراز الحديث.

وتكشف وثائق الأرشيف الأمريكي أن الحسن الثاني كان واثقا من ربح أية حرب مباشرة تندلع ضد إسبانيا، بسبب الحضور الهزيل للجيش الإسباني في الصحراء. لكن التخوّف الأكبر بالنسبة للمغرب كان مصدره الجيش الجزائري المجاور الذي كان يدعم جبهة البوليساريو الانفصالية التي تأسست عام 1973 في الصحراء.

ويقول الأرشيف السري الأمريكي، إن المغرب كان يعوّل أيضا على دعم عربي من طرف المملكة العربية السعودية، إلى جانب كل من مصر وسوريا اللتين كانتا تدينان للمغرب بمشاركة وازنة في حرب أكتوبر 1973.

بلغت الكلفة المالية لتنظيم المسيرة الخضراء نحو 300 مليون دولار تم تمويلها من مساعدات خارجية، سعودية على الخصوص، إلى جانب تبرعات مالية من جانب المغاربة الذين لم يشاركوا في المسيرة.[9]

 

اتفاق سري عشية الزحف

حزمة كبيرة من وثائق الأرشيف السري الأمريكي رُفعت عنها السرية في الفترة الأخيرة تم جمعها في كتاب واحد ضمّنته الإدارة الأمريكية كل ما يرتبط بعلاقاتها مع دول منطقة المغرب العربي في فترة أواسط السبعينيات.

وتكشف صفحات هذا المؤلَّف الحضور القوي لفكرة تنظيم المسيرة الخضراء التي أعلن عنها المغرب في سياق معركته من أجل استرجاع الصحراء، وتتضمن هذه الحزمة من الوثائق تقارير يومية كانت ترفع إلى الرئيس الأمريكي جيمي كارتر (president’s daily brief) تعكس الاهتمام الأمريكي والدولي الكبير بهذا الحدث.[10]

واحد من هذه التقارير اليومية المرفوعة إلى البيت الأبيض يحمل تاريخ صباح يوم 6 نوفمبر/تشرين الثاني 1975، أي يوم انطلاق الزحف المدني المغربي نحو الصحراء، يقول إن اتفاقا سريا جرى التوصل إليه بين المغرب وإسبانيا يقضي بتجنب تحويل المسيرة إلى مواجهة عسكرية كانت تهدد بحمام دم شديد البشاعة.

وتنقل الوثيقة عن الأمير خوان كارلوس، الذي كان في طريقه نحو استلام الحكم من الجنرال فرانكو في إطار انتقال السلطة في إسبانيا وتحوّلها نحو الديمقراطية؛ أخبر السفير الأمريكي لدى مدريد بأن القوات الإسبانية ستنسحب من منطقة تقع شمال إقليم الصحراء كي تسمح بدخول المشاركين المغاربة في المسيرة الخضراء إليه دون مواجهتهم بالعنف، فيما سيتمكّن وفد مكون من 50 شخصية مغربية من مواصلة التقدم نحو عاصمة الإقليم مدينة العيون.[11]

لم تكن هذه الطمأنة الإسبانية كافية بالنسبة للأمريكيين، إذ تكشف الوثيقة كيف أن انشغال واشنطن تواصل بعد خلو خطاب الحسن الثاني في الليلة السابقة الداعي إلى انطلاق المسيرة من أي إشارة إلى هذا الاتفاق، رغم تشديده على ضرورة احترام المشاركين لمؤطريهم والتزام النظام.

تقول الوثيقة "ملك المغرب لم يهدد باستخدام القوة إذا لجأ الإسبان إلى المقاومة المسلحة، لكنه طمأن المشاركين إلى أن الجيش سيدافع عنهم إذا هاجمهم أي كان"، مرجحة أن يكون تلميح الحسن الثاني موجها إلى الجزائر وجبهة البوليساريو الانفصالية وليس إسبانيا.

عبَر المغاربة يومها الأسلاك الشائكة التي كانت تفصل بين الجزأين الشمالي والجنوبي من المغرب، وحطوا رحالهم في الجانب الآخر من الحدود السابقة.

وقد حذر التقرير اليومي المقدم إلى الرئيس الأمريكي لصباح يوم 7 نوفمبر 1975، من احتمال انزلاق الوضع نحو المواجهة، إذ هدّدت الجزائر بهجوم عسكري إذا لم يتوقف الزحف المغربي ويتراجع، بينما هدّد المغرب بالتراجع عن اتفاقه السري مع إسبانيا حول حدود هذا الزحف، معتبرا "تسريبه" عبر الصحافة إفسادا للأمر.

ويورد التقرير الأمريكي مطالبة الرئيس الجزائري هواري بومدين للرئيس الأمريكي جيمي كارتر بممارسة الضغط اللازم على المغرب لحمله على التراجع، فيما تكشف الوثيقة كيف جنّدت واشنطن أقمارها الاصطناعية لمراقبة الوضع الميداني وتتبع المسيرة الشعبية، حيث جرى رصد تحرك قوات عسكرية جزائرية وتموقعها في وضعيات هجومية.[12]

وفي صبيحة اليوم الثالث من انطلاق المسيرة الخضراء، أي يوم 8 نوفمبر/تشرين الثاني 1975، تقول وثيقة التقرير اليومي الموجه إلى الرئيس الأمريكي: بدأ المغرب في تحريك كتائب من المشاة مع إسناد مدفعي لها نحو منطقة الصحراء، وذلك دعما لقواته التي دخلت في اشتباكات مسلحة ضد قوات البوليساريو الانفصالية التي تحركت ضد الدخول المغربي إلى الصحراء مدعومة بدورها من جانب الجيش الجزائري.

أما إسبانيا، فتقول الوثيقة إنها أخرجت قواتها من منطقة التوتر وجعلتها تقترب من السواحل استعدادا للمغادرة، فيما راحت القوات المغربية ونظيرتها الانفصالية تتحاربان للسيطرة على المواقع العسكرية التي تخليها إسبانيا. وفي الوقت الذي كانت الجزائر تواصل فيه حشد قواتها استعدادا للهجوم، دعا المغرب المشاركين في المسيرة الخضراء إلى التوقف عن الزحف والدخول في استراحة من 24 ساعة.[13]

 

معركة دبلوماسية

في مقابل التوقف الميداني للمسيرة الخضراء واشتداد المواجهة العسكرية غير بعيد عن مسارها، كانت المشاورات الدبلوماسية المكثفة على الصعيد الدولي تسارع الزمن ليتم التوصل إلى اتفاق ثلاثي بين كل من المغرب وإسبانيا وموريتانيا منتصف نوفمبر/تشرين الثاني 1975، يقضي بالانسحاب الكلي لإسبانيا من الصحراء مقابل اقتسام كل من المغرب وموريتانا للسيادة عليها، حيث حاز المغرب الثلثين الشماليين منها، بينما ضمنت موريتانيا الثلث الجنوبي المحاذي لحدودها، وهو ما اعتبرته الوثائق السرية الأمريكية انتصارا لملك المغرب.

وأعلن التقرير الاستخباراتي السري الموجه إلى البيت الأبيض يوم 5 ديسمبر/كانون الأول 1975 وصول وفد مغربي رسمي إلى مدينة العيون عاصمة الإقليم، ومشاركته في حفل تدشين رسمي لإدارة البريد الجديدة، إيذانا ببسط السيادة المغربية على الإقليم. وسجل التقرير في المقابل احتجاج الجزائر عبر القنوات الدبلوماسية، متهمة إسبانيا بتسهيل مهمة المغرب.[14]

في تلك الأوقات كانت المواجهات العسكرية تشتعل أكثر بين المغرب وجبهة البوليساريو المدعومة من الجزائر في البداية، ثم من ليبيا معمر القذافي في وقت لاحق، وهي الحرب التي استمرت حتى عام 1991؛ تاريخ توقيع الهدنة المستمرة إلى اليوم، موقِعة آلاف القتلى من الجانبين، ومكبدة شعوب المنطقة خسائر اقتصادية فادحة.

المصادر:

[1] http://discoursh2.abhatoo.net.ma/doc/724.pdf
[2] https://www.aljazeera.net/encyclopedia/icons/2016/4/25/%D9%81%D8%B1%D8%A7%D9%86%D9%83%D9%88-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%86%D8%B1%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D9%8A-%D8%AD%D9%83%D9%85-%D8%A5%D8%B3%D8%A8%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7-%D8%A8%D9%82%D8%A8%D8%B6%D8%A9-%D8%AD%D8%AF%D9%8A%D8%AF%D9%8A%D8%A9
[3] https://history.state.gov/historicaldocuments/frus1969-76ve09p1/d87

[4] https://history.state.gov/historicaldocuments/frus1969-76ve09p1/d87
[5] https://history.state.gov/historicaldocuments/frus1969-76ve09p1/d87

[6] https://history.state.gov/historicaldocuments/frus1969-76ve09p1/d87

[7] https://www.yabiladi.ma/articles/details/58445/%D8%A3%D9%83%D8%AA%D9%88%D8%A8%D8%B1-1975-%D8%B9%D9%86%D8%AF%D9%85%D8%A7-%D8%A3%D8%B9%D9%84%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B3%D9%86.html
[8] https://www.yabiladi.ma/articles/details/58445/%D8%A3%D9%83%D8%AA%D9%88%D8%A8%D8%B1-1975-%D8%B9%D9%86%D8%AF%D9%85%D8%A7-%D8%A3%D8%B9%D9%84%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B3%D9%86.html
[9] https://www.alyaoum24.com/1212548.html
[10] Foreign Relations of the United States, 1969–1976, Volume E–9, Part 1, Documents on North Africa, 1973–1976

[11] https://www.cia.gov/library/readingroom/docs/DOC_0006014947.pdf
[12] https://www.cia.gov/library/readingroom/docs/DOC_0006014948.pdf
[13] Foreign Relations of the United States, 1969–1976, Volume E–9, Part 1, Documents on North Africa, 1973–1976

[14] https://www.cia.gov/library/readingroom/docs/DOC_0006014972.pdf