تقارير

الحروب الصليبية.. رأب الصدع الداخلي من أجل حرب التطهير

 

في هذه السلسلة تفتح الجزيرة الوثائقية ملف "الحروب الصليبية" في أربع حلقات؛ تناقش تاريخ الحروب الصليبية وكيف عاث الفرنجة في بيت المقدس ومصر وغيرهما، وكيف بدأ التغيير من مصر، ثم التقى الجمعان في معركة حطين، وإعلان المماليك انتهاء الحروب الصليبية.

 

محمد الحافظ الغابد

 

"العالم الإسلامي يشبه الحية التي لا تموت إلا بقطع رأسها، والرأس في العالم الإسلامي هو مصر، فإذا ضعفت مصر ووهنت فقد سقط العالم الإسلامي كله". هكذا كان يطمح البابا "إنوسينت الثالث" حين كان شابا، ويرى أن بإمكان رأس الكنيسة أن يصبح ملكا، وليس من المقبول أن يظل مجرد شخص يدعو للحملات الصليبية بالبركة ويعدهم بالغفران. لقد كان يرى أنه يمكن أن يصبح ملكا.

 

وفي هذه الحلقة الرابعة والأخيرة من السلسلة الرباعية نستعرض تخاذل خلفاء صلاح الدين، وكيف تركوا القدس مرة أخرى تعود للصليبين، ثم ظهور المماليك الذين أعادوها مرة ثانية إلى حضن العالم العربي والإسلامي وقضوا على الوجود الصليبي بشكل نهائي، كما يشير إلى الحملات اللاحقة في التاريخ التي تشبه الحروب الصليبية وإن لم ترفع راياتها.

الحملة الصليبية الرابعة ضد المسيحيين الأرثوذوكس بالقسطنطينية

 

نهب الصليبيين للقسطنطينية

بعد رحيل صلاح الدين ظلت الكنيسة تواصل دورها الصليبي الساعي لاستعادة بيت المقدس، ومن جديد بدأت تصور كنسي يعتبر أن مفاتيح القدس في مصر في دلتا النيل وليست في الشام.

توضح الدكتورة "إليزابيث أكروزيه بافان" أستاذة التاريخ بجامعة السوربون أن الدارسين يُجمعون على أن دور "إنوسينت الثالث" في تلك الفترة كان حاسما، فقد عمل بحماس لبناء قوة الكنيسة على المستوى الدنيوي والروحي، واستبسل في صراعه ضد من يسميهم الكفار، ولذلك يعتبر أحد البابوات الأكثر أهمية في تاريخ الكنيسة خلال العصور الوسطى.

بعد فشل الحملة الثالثة، وجه "إنوسينت" حملة أخرى قامت بتأجير بنادقة في عام 1202 للإبحار إلى الشرق، غير أنهم لم يستطيعوا دفع الأجرة المتفق عليها فلم يُبحر منهم سوى القليل، لكن حاكم البندقية ساوم قيادة الحملة على التوجه للقسطنطينية بدل الشام أو مصر، فجنحت هذه الحملة تحت تأثير الطمع بالغنائم إلى القسطنطينية.

قامت الحملة بنهب المدينة عام 1204م، وكان من اللافت أن تقوم حملة صليبية بنهب أعظم مدينة مسيحية في العالم، وقد أثار هذا التصرف الغضب في أجزاء واسعة من الغرب المسيحي، وبالطبع في الإمبراطورية البيزنطية أيضا.

ومن المثير أن تقرأ ما كتبه البروفيسور "جوناثان فيلبس" أستاذ التاريخ بجامعة "رويال هولو واي" بلندن: انظروا لقد استولى صلاح الدين على بيت المقدس ثم ماذا فعل؟ لقد عفا عن المسيحيين.. والآن ماذا تفعلون أنتم؟ إنكم رغم أنكم مسيحيون تقتلون مسيحيين مثلكم، كان الأجدر بكم الاقتداء بصلاح الدين الذي بدا أكثر تسامحا منكم.

الحملات الصليبية سبيل البابا "إنوسينت" كي يصبح ملكا

 

البابا إنوسينت.. يساوي بين المسلمين والأرثوذوكس

تقول الدكتورة عفاف صبرة: الغريب في الأمر أن البابا أيّد موقف الغزو الصليبي وباركه ولم يعترض عليه، ولا شك أن سبب ذلك هو الخلاف مع الكنيسة الأرثوذكسية بالقسطنطينية، ولذلك فقد ساوى البابا "إنوسينت" بين المسحيين في الشرق وبين المسلمين.

وعلى الجبهة الإسلامية كان خلفاء صلاح الدين، يقتسمون مصر والشام والعراق وكانت الدولة بعد عقود من الازدهار تعاني من فشل وإخفاق كبيرين من الناحية القيادية، إذ لم يكونوا على شاكلة مؤسس الدولة. فبينما حاول صلاح الدين اتباع تأسيس شرعيته السياسية على استرجاع المقدسات والتصدي للمد الصليبي، لجأ هؤلاء إلى سياسة رد الفعل وافتقاد عنصر المبادرة واللجوء قدر الإمكان إلى السلام.

وفي المقابل استمرت أوروبا في توجيه مزيد من الحملات إلى نحو مصر في مسعى متواصل لاستعادة السيطرة على القدس.

وكان البابا "إنوسينت الثالث" مهوسا بالحروب الصليبية، فقد ورث فشل الحملة الثالثة لاسترداد بيت المقدس، والحملة الصليبية الرابعة التي احتلت القسطنطينية وهي المدينة المسيحية الكبرى.

حاول البابا بعد ذلك إطلاق حملة أخرى عرفت باسم الحملة الصليبية الخامسة، وكان تهدف إلى السيطرة على مصر واستغلال النيل والاستيلاء على ثروة القاهرة، لامتلاك الموارد التي تمكنهم من استرداد بيت المقدس". كما يقول البروفيسور جوناثان فيلبس أستاذ التاريخ بجامعة "رويال هولو واي" بلندن.

الحملة الصليبية الخامسة ضد مصر

 

حملة تستهدف مصر ودمياط

تقول الدكتورة عفاف صبرة: تعتبر هذه الحملة أيضا من الحملات الفاشلة في التاريخ وذلك بسبب فيضان النيل وعدم معرفة الصليبيين الكافية بما يصيب مصر أثناء الفيضان، فالأرض صعبة وفيها الكثير من المعيقات بالنسبة لحركة الخيل، مما شكل حجر عثرة في طريق هذه الحملة.

ولكن هذا الفشل لم يوقف الصليبيين، فقد ظل حلمهم بمصر يجذبهم لتكرير المحاولة مرة بعد أخرى، ولذلك توجه البابا هذه المرة لأباطرة الغرب، ولم يكن أمامه في هذه الفترة غير الإمبراطور "فريدريك الثاني" الذي ضغط عليه البابا ليقوم بحملة صليبية جديدة، لكن نشبت حرب بين جيش البابا و"فريدريك الثاني"، لعدم قيام الأخير بالحملة.

الخلاف بين أبناء صلاح الدين يعيد القدس إلى الصليبيين

 

فجوة أجيال.. وتسليم القدس للصليبيين

شكلت ظروف الصراع داخل البيت الأيوبي طوق نجاة للملك المغضوب عليه من الكنيسة، فأعد عدته للحصول على القدس مقابل ثمن دفاعي ودبلوماسي. وقد اندلع صراع مفتوح على كل الاحتمالات بين الأمراء الثلاثة في مصر والشام والعراق أبناء السلطان العادل الأيوبي الذين كانوا يتصدرون الموقف في ذلك الوقت وهم: المعظم عيسى في دمشق، والكامل محمد في مصر، والأشرف موسى في شمال العراق.

والسبب في الخلاف بين الأبناء المتصارعين يرجع إلى أن الملك المعظم استقطب وحدات الخوارزمية وهم مقاتلون أشداء، فغلب على ظن الملك الكامل انه يخطط للاستيلاء على مصر، فقرر الاستعانة بـ"فريدريك الثاني" واتفقا على أن يأتي إلى الشرق ويساعده في مواجهة أخيه، وبالتالي على أن يقدم له بيت المقدس.

وكانت هذه النقطة الخطيرة للغاية وتعكس مستوى كبيرا من الفجوة التي حصلت ما بين صلاح الدين المجاهد المجدد المحرر وأبنائه الذين يهدمون ما شيد من عز، فيقدّمون مفاتيح القدس على طبق من ذهب مجددا للصليبيين، وتحقق الهدف الأسمى للصليبيين في تحقيق حلمهم الذي تقوده البابوية.

فريدريك يعتلي عرش بيت المقدس دونما قتال

 

القدس.. كـرّ وفـرّ

دخل "فريدريك الثاني" القدس فعلا بحوالي 300 فارس فقط، وتسلم المدينة دون قطرة دم واحدة، والأغرب أنه منع أذان الفجر في المسجد الأقصى حتى لا يزعج الإمبراطور. القدس التي حررها صلاح الدين، وضعت هكذا بجرة قلم بين يدي ملك صليبي، مما أغضب المسلمين، فالقدس عادت مجددا تحت احتلال جديد برضى الحاكم الأيوبي بل بمساعدته، حدث ذلك سنة (600هـ/1228م).

وقد ظلت المدينة في هذه الوضعية إلى أن استردها الناصر داوود ابن المعظم. ولم يستقر حال المدينة، فقد سلّمها للصليبيين مجددا الصالح إسماعيل وهو عم الناصر داوود في عام (1240). واستمرت القدس في تلك الوضعية حتى جاء الخوارزمية لمساندة نجم الدين أيوب ونجحوا في استردادها، لتعود إلى أحضان الإسلام حتى العصر الحديث.

قاد لويس التاسع الحملة الصليبية السابعة ضد مصر بخمسين ألف محارب

 

حملة "لويس التاسع" على مصر

لم تتوقف فكرة استهداف مصر بوصفها القلب الحيوي في المنطقة، كما تقول الدكتورة عفاف صبرة، ففي العقيدة الاستراتيجية للحروب الصليبية التي تكرست منذ عهد صلاح الدين أضحت مصر هي الهدف المستمر للصليبيين.

ورغم كونه كان مريضا وعلى فراش الموت، قام ملك فرنسا "لويس التاسع" بالنذر لله أنه إذا شفاه الله ونجّاه من الموت، فسيحمل الصليب بنفسه ويشارك في حملة صليبية سابعة يقودها بنفسه.

يقول البروفيسور "كريستوفر تايرمان": كان "لويس التاسع" شخصية دينية متزمتة، ورأى في الحملة الصليبية فرصة لتعزيز سلطته في فرنسا وتوحيد رعيته بعد فترة من عدم الاستقرار، وأيضا من أجل النهوض بواجبه المسيحي.

هيأ الملك خمسين ألف مقاتل لحرب صليبية لاسترجاع القدس، ورأى أنه لا مناص من ضرب القوة الأيوبية في مصر حتى يتسنى له استرجاع بيت المقدس، وسارت الحملة على نفس الطريق القديم تجاه مرفأ دمياط. بيدَ أن "لويس التاسع" لم يستفد من خطأ الحملة الخامسة، ولم يستفد من جغرافية مصر.

لويس التاسع يقع أسيرا بعد أن يهلك جنوده في المنصورة

 

ظهور المماليك

في الحملة الصليبية السابعة ظهرت فئة "داوية الإسلام"، وهم الذين سيعرفون فيما بعد بالمماليك. يقول الدكتور محمود إبراهيم حسنين: استعانت الدولة الأيوبية في وجه المد الصليبي بالمماليك؛ وهم الرقيق الأبيض القادم من وسط آسيا وأوروبا، وكانوا عبيدا يخضعون لتربية دينية وعسكرية صارمة".

ولقد تميز الملك الصالح نجم الدين أيوب بهذه الفئة من المماليك التي جاء بها ورباها وأسس لها معسكرا في جزيرة الروضة، ولذا عرفوا في مصر بالبحرية، وكان أول اختبار للبحرية وقوّتها معركة المنصورة في العام (646هـ/1250م)، وقد تركوا الصليبيين يدخلون المدينة في هدوء، فاعتقد الصليبيون أن لا قوة عسكرية تواجههم، فانقضوا عليهم وقتلوهم في شوارع وأزقة المنصورة، وأُخذ قائد الحملة "لويس التاسع" أسيرا مكبلا بالسلاسل إلى دار ابن لقمان في المنصورة.

غير أن قوة المماليك ستواجهها قوة أخرى أخطر من الصليبيين هي قوة الغزو المغولي للعالم الإسلامي، الذي أنهى ما تبقى من الخلافة العباسية واجتاح بغداد التي تعاني عبئا ثقيلا استمرت تئن به لعدة قرون. دخل هولاكو بغداد سنة (656هـ/ 1258م)، وبعدها جاء دور دمشق التي دخلها المغول مصحوبين بثلاثة أمراء صليبيين، من بينهم "بوهيمون" أمير أنطاكية، وحصل اتفاق خفي بين المغول والصليبيين.

انتصار المماليك في معركة عين جالوت أعاد لهم الاعتبار لدى المسلمين وكسر شوكة هولاكو

 

معركة عين جالوت تؤسس شرعية المماليك

نظرا لكون المغول وحليفهم الصليبي ظنوا أنهم بدخول دمشق يملكون كل أوراق اللعبة، لم ينتظر هولاكو نهاية حملته على الشام، فأرسل مبعوثه إلى السلطان سيف الدين قطز يطلب منه خضوع بلاد النيل دون شرط أو قيد، فجاء رد قطز بجمع رجاله وجيشه والخروج إلى فلسطين، وقابل الجيش المغولي وانتصر عليهم في معركة عين جالوت.

شكل انتصار المسلمين في معركة عين جالوت سنة (658هـ/1260م) نقطة فارقة في تاريخ الغزو المغولي، حيث استعاد المسلمون السيادة في أرضهم وأوقفوا الزحف المغولي نسبيا، وحطموا أسطورة الجيش الذي لا يقهر في هذه المعركة الفاصلة.

وكان المماليك يحتجون كثيرا بهذا الانتصار لأنه يمنحهم شرعية سياسية واجتماعية أكبر، فقد كانوا في نظر المسلمين أرقّاء مستوردين من بلاد أخرى ومطعونا في أنسابهم، وهم مغتصبون للسلطة السياسية في ديار المسلمين.

يقول الدكتور أحمد حطيط: إن انتصار الجيش الإسلامي بقيادة المماليك أسس -في نظر المسلمين- شرعية للدولة المملوكية من جديد، وفتح لحكامها أبواب التاريخ على نحو أسطوري استمر لاحقا لقرون.

الظاهر بيبرس يسترد جميع المدن الساحلية على المتوسط من الصليبيين

 

قطز يسلم الراية إلى بيبرس

بعد عين جالوت قُتل قطز، فانتقلت السلطة لبيبرس الذي أدرك أن مواصلة مشروع الجهاد هو الذي سيُكسبه الشرعية السياسية النهائية خصوصا فيما يتعلق بمقاومة الصليبين.

وفعلا فقد كانت السنوات الـ17 التي حكمها بيبرس سنوات من الجهاد المتواصل ضد الصليبيين، وفي القاهرة التي باتت مرتكز الحكم المملوكي، ارتفعت الراية التي أسقطها خلفاء صلاح الدين من جديد، فقد رفعها الظاهر بيبرس؛ الضابط الشرس الذي أثبت أنه قائد فريد يزلزل الوجود الصليبي من جديد، فالاستراتيجية الإسلامية، كانت تقوم على الحروب تجاه الأسوار والمدن التي يتحصن الصليبيون داخلها، وكان عدد هذه القلاع حوالي 120 قلعة، وعندما تم إسقاطها تزلزل الوجود الصليبي فعلا.

أنطاكية.. مدينة استعصت على قادة المسلمين لأكثر من 170 عاما يفتحها الظاهر بيبرس

 

بيبرس يجسد صورة صلاح الدين في الأذهان

أعد الظاهر بيبرس عدته لاستئصال القلاع الصليبية بصورة تدريجية على امتداد الساحل الشامي وصولا إلى مصر، فأسقط قلعة صور وصيدا والقلاع المحيطة بطرابلس كقلعة الأكراد وجبلة. وفي عام (666هـ/1268م)، وصل إلى أنطاكية التي تعتبر أهم نقطة ارتكاز في هذه الحقبة للوجود الصليبي، خصوصا وأنها استعصت على القادة العسكريين المسلمين لأكثر من 170 عاما.

سيطر يبرس على أنطاكية، ولم يكن "بوهيمون" موجودا في المدينة وقت اقتحامها فبعث إليه بيبرس: إلى الأمير الذي أصبح مجرد قُمّس (مرتبة كنسية أعلى من القس) بعد استردادنا لأنطاكية، لقد خرج عساكرك ليقاتلونا وهم وإن كان يؤيد بعضهم بعضا فإنه ينقصهم التأييد من الله، ولو أنك كنت اليوم فيها لرأيت خيّالتك تحت سنابك خيلنا، وقصورك تُنهب، ونساءك يُبعن في أنحاء المدينة، ولكنت قتيلا أو أسيرا، ولكن الله مد في عمرك، لكي تخضع وتطيع.

لم ينس بيبرس أن "بوهيمون" كان من أولئك الذين تحالفوا مع المغول لمواجهة المسلمين، وقد أصبح الصمت على بقائه من المستحيل.

بوهيمون يقرأ رسالة بيبرس المُهينة

 

يقول البروفسور "جوناثان فيلبس" أستاذ التاريخ بجامعة "رويال هولو واي" بلندن: ومع سقوط أنطاكية على يد المماليك في أواخر القرن الثالث عشر، كانت مماليك الفرنجة في غاية الضعف، ولم تكن أنطاكية في حد ذاتها مقاطعة عظيمة، ولم تكن بنفس النفوذ والقوة التي كانت عليها في القرن الثاني عشر، فالقلاع حولها دُمّرت على يد بيبرس والمماليك فكانت نهاية الصليبيين.

وبعد سيطرة بيبرس على أنطاكية بدأ حكام القلاع الصليبية يخطبون ودّ بيبرس ويحاولون بناء علاقات خاصة معه، وأولهم كان حاكم عكا، وقد أظهر بيبرس ليونة وأرسل إلى هذا الحاكم وزيره ومؤرخ عصره ابن عبد الظاهر.

وتنقل الرواية التاريخية أن ملك عكا قال لابن عبد الظاهر في أول ملاسنة بينهما: انظر، أما ترى ما وراء ظهرك؟

فنظر فإذا بجيوش كبيرة من الصليبيين محتشدة، فرد عليه: إن هؤلاء لا يساوون عُشر ما في سجون بيبرس من الجنود الصليبيين الأسرى، ولا يمكن أن يقارنوا بجيش المسلمين". وعندها خضع الملك لمنطق الوزير وجنح للتفاوض انطلاقا من السقف الذي حدده بيبرس لمبعوثه.

ويقارن الدارسون بين شخصية بيبرس وشخصية صلاح الدين، ومن الواضح أن صلاح الدين كان سياسيا مثقفا بارعا في السياسة قبل أن يكون مجرد قائد عسكري.

الناصر قلاوون يتوعد بإنهاء آخر وجود للصليبيين في المشرق

 

الناصر قلاوون يخلف بيبرس

توفي بيبرس وخلفه قائد عظيم هو الناصر قلاوون، وكان أول ما قام به قلاوون هو تحرير طرابلس من قبضة الصليبيين؛ الإنجاز الذي مهد له بيبرس من خلال سيطرته على القلاع والحصون المحيطة بالمدينة التي تعتبر خطوط دفاع وتأمين للمدينة. وهذا التكامل بين القادة في الإنجاز يؤكد الانسجام والوحدة حول فكرة الجهاد لدى مختلف سلاطين المماليك.

ويقول المتتبعون لتاريخ المماليك إن بيبرس نجح في تقويض وإزاحة ما يقارب الخمسين بالمائة من الوجود الصليبي، فيما تولى الناصر قلاوون إزاحة وكنس المتبقي من هذا الوجود. والملاحظ أن ردة فعل أوروبا في هذه الحروب كانت ضعيفة أو منعدمة بشكل كبير، ويرجع ذلك لانشغال الدول الأوروبية بهمومها الذاتية بعيدا عن الطموح والتوجيه الكنسي الذي ضعف وارتخى نسبيا وتراجعت فيه أفكار الغزو نحو الشرق والسيطرة على بيت المقدس.

وفعلا أدت هذه العوامل لانتهاء الحروب الصليبية التي توقف مدّها الأوروبي، وقويت شوكة مواجهتها، لأن نظام الجهاد وتقويض هذا الوجود نجح في تطهير المشرق من هذا الوجود في عهد المماليك بشكل كبير.

تحرير عكا كان إعلان نهاية الحروب الصليبية سنة 1291

 

تحرير عكا.. نهاية الوجود الصليبي

قرر الناصر قلاوون على ضوء المتغيرات الحاصلة في عصره أن ينهي بشكل فعلي الممالك الصليبية في المشرق، فقرر تحرير مدينة عكا وجمع جيشه وخرج إلى معسكره في منطقة العباسية، لكن الموت أدركه قبل أن يدرك مرامه.

قبل وفاة الناصر قلاوون عرض عليه بعض مماليكه تولية ابنه خليل فرفض، وقال مقولته المشهورة "لا أولّي خليلا أمر المسلمين" لأنه كان يرى فيه طيشا وضعفا عن تحمل هذه المسؤولية، فنصّب أخاه وليا لعهده، وشاءت الأقدار أن يتوفى ولي العهد أولا، فاستدعى الناصر قلاوون مماليكه واستشارهم، ثم ولى ابنه الأشرف خليل ولاية العهد. وتوفي قلاوون قبل تحرير عكا من الصليبيين، بعدما أكمل العدّة لهذا التحرير، وكان استحلف ابنه على المصحف أثناء توليته ألا يترك موطئ قدم للصليبيين في بلاد المسلمين.

وما إن انتهى من دفن والده، حتى بدأ خليل يستجمع القوة الإسلامية في الشام ومصر لاستكمال مشروع والده المتمثل في تطهير البلاد من الوجود الصليبي.

وفعلا أكمل الإطباق على عكا برا وبحرا في العام (690هـ/1291م)، وانطلقت معركة شرسة بين الفريقين اقتحم فيها المسلمون أسوار المدينة التي تحصن الصليبيون فيها، وهم يقاتلون قتال من فقد الأمل في النجاة والإمداد.

وسيطرت القوة المصرية على الشواطئ بشكل كامل وكانت تملك أسطولا قويا، وتم تحرير المدينة وتحقق تطهير الساحل الشامي من الحركة الاستيطانية الصليبية.

تأثر الصليبيون كثيرا بالمستوى العلمي والحضاري الذي عايشوه في بلاد المسلمين فنقلوا ذلك إلى أوروبا

 

التأثر والتأثير

الراجح أن الحروب الصليبية تعتبر رافدا للغرب الأوروبي، لأن الصليبيين استوطنوا البلاد الإسلامية ومنهم من استوطن فترة وجيزة ورجع، ومن هنا تأثر الغرب بالحضارة الإسلامية في الكثير من المجالات. يقول المؤرخ "هاس كينز": إن أوروبا بدأت صحوة علمية في القرن الثاني عشر، يرجع الفضل فيها لهذا الاتصال الكبير بالعالم الإسلامي ومراكزه الحضارية عبر الحركة الصليبية الاستيطانية النشطة.

ويقول الدكتور "مارتن أوريل": تعلم الصليبيون كثيرا من الحضارة العربية واستعادوا عددا من النصوص اليونانية المترجمة مصحوبة بالتعليقات عليها، ونعرف أنه منذ ذلك الوقت قامت مدرسة لترجمة النصوص من العربية إلى اللاتينية، في الأرض المقدسة.

لقد نقلت الحركة الصليبية للغرب خبرة كبيرة في المجال العسكري، وتقنيات في أكثر من مجال، فضلا عن تعرفهم على علوم الفلك والهندسة والحساب والطب والصيدلة، فاكتشفوا ابن سينا والفارابي والخوارزمي، وابن الهيثم.

وتشير الروايات التاريخية إلى أن الصليبيين حين رحلوا عائدين إلى أوروبا اصطحبوا معهم الكثير من الصناع، واستوطن هؤلاء الصناع المسلمون منطقة في إيطاليا تحديدا تدعى "مورانو" وبدأوا في التصنيع وانتشرت صناعتهم باسم إيطاليا.

أما ما تركه الصليبيون في الشرق الأوسط فهو محل جدل، ولكنهم تركوا عددا من القلاع والمباني التي أثرت بدورها في الهندسة المعمارية المحلية.

وعلى المستوى الثقافي، يقول جان فاند بورييه الباحث في تاريخ العصور الوسطى: أثر المسلمون إلى حد كبير في الثقافة الأوروبية أكثر مما أثرت أوروبا على الشرق الأوسط.

ويرى الدكتور قاسم عبده قاسم أن أكبر تأثر غربي بالعالم الإسلامي تمثل في حركة الاستشراق التي انكبَّت على الترجمة ودراسة العالم الإسلامي في كل مناحي ثقافته وحياته، وهنا أعادوا اكتشاف كنوز الفكر والفلسفة، واكتشفوا أرسطو من جديد عن طريق ابن رشد الشارح الأعظم لهذه الفلسفة.

الحروب الصليبية تتحول إلى جداريات في المتاحف الأوروبية

 

التحول الإيجابي في الذهنية الغربية

حول مصطلح الحروب الصليبية، يرى بعض الباحثين أنه لم يستقر هذا المصطلح إلا بعد 100 سنة من هذه الحروب في أواخر القرن الثاني عشر، فقد أخذت من قبل عناوين أخرى منها "حرب الرب"، و"الحج"، أما المسلمون فقد أطلقوا على هذه الحروب اسم "حركة الفرنج"، على اعتبار أن الفرنجة الذين كانوا يسكنون فرنسا هم من بدأ هذه الحروب.

وكل المؤرخين المسلمين لم يستخدموا أبدا مصطلح صليبي لأنهم أدركوا أن هذه ليست حربا مسيحية، كما كانوا يجزمون بأنها ليست حربا دينية، على الرغم من استخدام راية الصليب فيها ولكنهم كانوا يسمونهم الفرنجة. ويروي إسحاق تواضروس عبيد أستاذ التاريخ بجامعة عين شمس أن المسلمين كانوا يتعايشون منذ قرون مع المسيحيين في الشرق، وقد أدركوا أن المسيحيين مستهدفين مثلهم مثل المسلمين.

والحقيقة أن الحروب الصليبية مشروع قادته الكنسية المؤسسة القائدة والمؤثرة في الغرب الأوروبي ساعتها، وفشل فشلا كبيرا، غير أن الأوروبيين المعاصرين حولّوه عبر اصطلاح تعويضي نفسي، من مشروع لقتل المخالف في الدين إلى مشروع يحمل مصطلحا إيجابيا وإنسانيا، كمداواة المرضى ومساعدة المحتاجين والتصدي للكوارث الطبيعية وضحاياها.

وفعلا حولوه عبر الرسوم والفنون التشكيلية، والمسرح واللوحات الجدارية في القرن التاسع عشر والقرن العشرين إلى معنى إيجابي في غاية الأهمية في الوقت الذي كانت فيه أبعد ما يكون عن هذه المعاني.

وفي فرنسا على سبيل المثال متحف للحروب الصليبية، وتوجد قوائم للمشاركين في هذه الحروب، وهذا يجعل من ينتسبون لهذه الحروب ممجدين ومحترمين وأصحاب حظوة وعناية كبيرة في المجتمع، وهذه الدعاية التي تعكسها الأفلام ووسائل الإعلام المختلفة مرئية ومقروءة ومسموعة، بل وصل الأمر للألعاب الإلكترونية، التي يكون موضوعها الحروب الصليبية.

وقد أدى كل هذا الإنتاج إلى تغيير صورة الحروب الصليبية من حرب ضد الآخر المخالف دينيا إلى حملة ضد الأشرار كما حصل خلال غزو العراق 2003 حينما خرج الرئيس الأمريكي السابق جورج دبليو بوش قائلا: هذه الحملة الصليبية، هذه حرب على الإرهاب ستستغرق بعض الوقت، على الشعب الأمريكي أن يتحلى بالصبر، وأنا رجل صبور.

ويعلق الدكتور "مارتن أرويل" على كلمة "بوش" بمناسبة غزو العراق قائلا: وقد استخدم بوش كلمة حرب صليبية للتشجيع على غزو العراق، هذا ما صدمني أكثر. إنها مفارقة تاريخية، وأيضا استخدام لرمز ديني، في عالمنا الغربي العلماني، حيث نفرق جيدا، حسب مبدأ المسيح والأناجيل بين الدنيوي والروحي، ما لقيصر لقيصر وما لله لله، إن رجوع ذلك الرجل -ويقصد الرئيس- إلى رؤية تنتمي للعصور الوسطى حيث يُنصب الدين كسلاح حرب لهو انحراف مرعب.

فلسطين والاحتلال الصهيوني.. هل يدوم بنفس طول احتلالها من قبل الصليبيين؟

 

صراع الوعد!

لقد استمرت الحروب الصليبية في دورها الفعال حوالي مئتين سنة من (1095م – 1291م)، ففي هذه الفترة الطويلة جدا مسرح معارك ممتد من الجزر البريطانية إلى العراق ومن شمال أوروبا إلى غاية وسط إفريقيا وشارك فيها حوالي سبعة أجيال.

واستنزفت هذه الحروب العالم الإسلامي بشكل كبير وتركت تأثيرات سلبية كبيرة، وبعد نهاية هذه الحروب استمرت التأثيرات متمثلة في التهديد والغزو المستمر من أوروبا نحو البلاد العربية، مثل حملة كولومبوس ونابليون.

واعتبرت هذه الحملات امتدادا للحروب الصليبية وحظيت بالتمجيد في الغرب. وكذلك الاحتلال الفرنسي للجزائر الذي لقي تشجيعا كبيرا وانبهارا من الجمعية الوطنية الفرنسية باعتباره مشروعا صليبيا.

والمشروع الصهيوني الذي يتبناه غرب أوروبا هو امتداد لنفس الفكرة وقائم على أساس "الشعب المختار والأرض الموعودة"، وبذلك يكون المشروع الصليبي لم يمت وإن توقف إمداده البشري المسيحي، ولكن نظيرا يهوديا له يسير في نفس الطريق ويؤدي نفس الوظيفة الاستيطانية، وقد سلّم أحفاد الصليبيين مفاتيح الأرض الموعودة للكيان الصهيوني.