تقارير

"رحلة البكتاشي".. طريقة الصوفي الذي أسس الدين الخامس في ألبانيا

 

خاص-الوثائقية

البكتاشية طريقة صوفية انتشرت في الأَناضول ثم في البلقان، وهي تُنسب إلى الحاج بكتاش ولي وتحسب في الغرب من المسلمين، لكن غالبية المسلمين في العالم يعتبرون مريديها ضالين وخارجين عن الملة.

جمهور البكتاشية يرى أنهم أقرب إلى أهل السنة، بينما يعتبرهم آخرون من غلاة الشيعة، وكثيرون يرونهم خليطا بين هذا وذاك، مع إضافات أخرى من أديان وعقائد سابقة ولاحقة.

هذا الفيلم الذي تبثه الجزيرة الوثائقية يرافق رحلة البحث عن الحقيقة لأحد أتباع البكتاشية واسمه حسين سليماني أو البكتاشي، ويسعى من خلال قراءاته لإيجاد إجابات شافية عن الإشكاليات المتعلقة بتلك الطريقة.

 

سقوط الشيوعية.. يقظة البكتاشية بعد طول سبات

كانت رحلة حسين سليماني البحثية كمن يسير في حقل ألغام، فالناس ينقسمون حول هذه الطريقة وهم منها على طرفي نقيض، فمن مُنزّه لها عن الخطأ والزلل، إلى من يراها ضالة مارقة عن الدين، وبين هذا وذاك يضيع المنطق.

لا يريد حسين -المولود لأسرة بكتاشية ألبانية- أن يتوصل إلى حقيقة هذا المذهب فقط، بل يريد التوسع والتعمق في تاريخ وأصول الأشياء، من خلال الاستماع إلى آراء مؤيديها ومعارضيها وآخرين محايدين حتى تكتمل لديه الصورة.

لا بد من الإشارة في البداية إلى الحرب التي شنتها الشيوعية على الإسلام في ألبانيا وغيرها من دول البلقان، لكن بعد نهاية الحقبة الشيوعية عادت الحريات وعاد الناس إلى دينهم وممارسة شعائرهم، هذا بالنسبة للكبار، أما الصغار فكان عليهم التعلم من أقاربهم الذين يرون في مذهبهم أنه حق لا باطل يشوبه أو يشوهه، وهنا يختلط التاريخ بالخرافات والحقائق بالأهواء.

يتركز البكتاشيون في البلقان، كما أنهم موجودون في اليونان وإيران وتركيا والعراق وبلاد الشام والصين والولايات المتحدة، ودول أخرى. يقول الحاج بابا مندي شيخ شيوخ الطريقة البكتاشية: تعرضنا في المئتي سنة الفائتة إلى العديد من الضربات والصدمات، لكننا تمكننا من تأسيس المركز العالمي لعموم بكتاش في ألبانيا، لا يوجد أي صراع مع ألبانيا حيث مقرهم، بل إن الدولة تعترف بهم اعترافا كاملا.. إنما الصراع مع دول أخرى في البلقان أمثال مقدونيا وكوسوفو، رغم أنهم معترف بهم من قبل الاتحاد الأوروبي كطائفة دينية مستقلة.

شيخ مشايخ الطريقة البكتاشية إدمون إبراهيماي المعروف ببابا مندي

 

بابا مندي.. تعريف شيخ المشايخ للطريقة

يدين أتباع الطريقة البكتاشية اليوم بالولاء لشيخ مشايخ الطريقة إدموند براهيماي المعروف ببابا مندي، وتتمتع الطريقة قانونيا باستقلالية كاملة كباقي المؤسسات الدينية في الدولة، وكل شيء فيها ألباني.

يعرّفها أستاذ تاريخ المذاهب في جامعة مرمرة إلياس أوزوم بأنها طريقة صوفية وعقيدتها باطنية والإسلام دينها، ولكن تفسيرها للدين يقوم على مفاهيم صوفية عرفانية إلى جانب الكثير من المعتقدات والأفكار من أديان أخرى.

لكن بابا مندي يعرفها بأنها طائفة شيعية علوية، وأنهم يؤمنون بأركان الإسلام الخمسة، ولديهم نفس الواجبات كعموم المسلمين، وعندهم أربع مراتب ينبغي للمؤمنين في عقيدتهم السير عليها للوصول إلى جوهر الإيمان، وهي الشريعة والطريقة والمعرفة والحقيقة.

الحاج بكتاش الولي مؤسس الطريقة البكتاشية في القرن الثالث عشر

 

الحاج بكتاش الولي.. شيخ التركمان الذي ساند الخلافة العثمانية

الطريقة البكتاشية عالمية وليست ألبانية، وتعود نشأتها إلى القرن الثالث عشر، فقد تأسست أول تكية على يد الحاج بكتاش الولي وهو محمد إبراهيم وينسبه البكتاش إلى الإمام موسى الكاظم، وأتباعها يقدسون شخصية الحاج بكتاش ولي، ويخلدون أقواله وأفعاله .

ولد الحاج بكتاش ولي في مقاطعة خراسان في نيسابور وهو أحد شيوخ التركمان، وقدم إلى الأناضول في القرن الثالث عشر الميلادي، وتعرف قريته اليوم باسم حاج بكتاش، وكانت تسمى سابقا كاراهويوك، وقد شرع في تدريس مريديه وأتباعه وأنشأ مركزا دينيا وثقافيا.

في ذلك الوقت كانت الأناضول واقعة تحت حكم السلاجقة الروم، وكانت ملجأ للشعوب الهاربة من بطش المغول، وكان الحكم السلجوقي آنذاك يعاني من أزمات اقتصادية وسياسية، بينما كانت في المقابل أراضي العثمانيين آخذة بالتوسع مؤذنة عن قرب تأسيس دولتهم على أنقاض دولة السلاجقة.

قام بكتاش الولي بمساندة العثمانيين، وعندما استقرت الدولة لهم كان له ولمريديه تقدير واحترام من قبل العثمانيين، حتى أنهم اعترفوا بالطريقة البكتاشية.

وفاة المؤسس.. إرث الطريقة الذي صنعه المجددون الثلاثة

كتب بكتاش ولي نثرا باللغة العربية، لكنه لم يحدد مذهبا لأتباعه، وخلت كتابته من أي دعوة باطنية أو أفكار عقائدية وفلسفية مخالفة للمأثور، وليس في كتاباته اقتباسات من أديان أخرى كالتي ظهرت في البكتاشية فيما بعد.

يقول الباحث خالد محمد عبده: البكتاشية متسامحة مع الآخر، ومن مبادئ الحاج بكتاش ولي أن الأديان كلها صحيحة، وهي عبارة عن صور للاتصال بالخالق، وهم يتوافقون مع تلك الصور، وكان على اتصال مع باقي الطرق الصوفية كالخلوتية والياسويين والقلندرية.

بعد وفاة الحاج بكتاش أكمل مريدوه الطريقة، وبرز من بينهم ثلاثة نفر لكل منهم دوره في تطوير البكتاشية عقائديا وجغرافيا.

أول النفر الثلاثة هو صاري صالطق الذي يعود له الفضل في انتشار الطريقة في البلقان. أما الثاني فكان قايقوزوز أبدال الذي جاء بعد البكتاش بقرن من الزمان وهاجر مع مريديه إلى مصر، وهو من أسس البكتاشية هناك، ومنها انتشرت في بعض الدول العربية. أما الثالث فهو باليم سلطان الذي جاء في القرن السادس عشر، ويعتبر المؤسس الثاني للطريقة وواضع أصولها الطقوسية والعقائدية.

عرفت ألبانيا الإسلام بصيغته البكتاشية في بدايات القرن الرابع عشر على يد صاري صالطق أثناء وجوده في البلقان

 

صاري صالطق.. داعية بكتاشي بزي راهب مسيحي في البلقان

يقول "إيرمير جينيش" نائب رئيس المشيخة الإسلامية الألبانية: مع توسع الدولة العثمانية زاد انتشار الطرق الصوفية ومن بينها البكتاشية، وحين قدم صاري صالطق في بداية القرن الرابع عشر إلى ألبانيا، اتخذ مغارة في أعلى جبل كرويا مقاما له، وكانت تلك الفترة تشهد صعودا للتيارات المسيحية، وقد عاشت على إثرها المنطقة صدامات دامية.

وقد أجمع المؤرخون أن صاري صالطق كان يتجول أثناء وجوده في البلقان بزي راهب مسيحي، ونشر أفكاره الدينية بين العوام على أنها مسيحية، ولم يعرف بذلك أحد غير مريديه، وهذا يدل أن ألبانيا عرفت الإسلام بصيغته البكتاشية في بدايات القرن الرابع عشر.

قايقوزوز أبدال مؤسس البكتاشية في مصر

 

قايقوزوز أبدال.. أسطورة الطريقة الذي عالج سلطان مصر الأعور

كانت مصر المملوكية محجا للمتصوفين من الشرق والغرب، فكانوا يفدون إليها إما كمعلمين أو مريدين، وقد لقي هؤلاء ترحابا شديدا من السلاطين وتبجيلا من قبل المصريين.

ومع بداية القرن الخامس عشر جاء قايقوزوز أبدال مع مجموعة من أتباعه بعد الحج، حيث كان من عادات البكتاش بعد الحج زيارة مصر، وفي أثناء الزيارة التقى بالسلطان الذي كان أعور فشفي على يديه، فأصبحت لقايقوزوز مكانة عظيمة في مصر بعد الحادثة ذات الطابع الأسطوري.

استقر قايقوزوز في مصر وعاش في جبل  المقطم، وهناك كهف معروف بكهف السودان، وحرف المصريون اسمه لأن من طبيعة المصرين تغيير الأسماء التركية  ليسهل عليهم لفظها، فأصبح "أبدال" عبد الله، وحولوا كلمة المغارة إلى"مغاوري" فأصبح معروفا باسم عبد الله المغاوري، وهو اسم مصري بامتياز للصبغة المصرية البكتاشية.

باليم سلطان حدّ من المعتقدات التي حلت على البكتاشية بسبب تواصلهم مع جماعات الصفوية

 

باليم سلطان.. واضع اللمسات الأخيرة بأمر من الخليفة

صاحب الشخصية الثالثة التي أثرت عقائديا في البكتاشية هو باليم سلطان المولود في النصف الثاني من القرن الخامس عشر، ويعود له هيكل الطريقة وشعائرها.

اسمه الحقيقي حيدر بن مرسل بابا، وقد ولد في ديميتوكا في اليونان، وكان مسؤولا عن إحدى التكايا، وقد استقدمه بايزيد الثاني إلى الأناضول ليكون خليفة لبكتاش ولي، وأراد بايزيد التحكم بالتغيرات التي حلت على البكتاشية بسبب تواصلهم مع جماعات الصفوية الشيعية التي شهدت انتشارا واسعا.

وقد عمل باليم سلطان على الحد من تلك المعتقدات التي كانت قد ظهرت آثارها بشكل جلي، فعمل على توطيد العلاقة بينها وبين التعاليم التي وضعها بكتاش، وكان مجددا وواضعا للشكل الأخير للبكتاشية.

كان الحاج بكتاش ولي -بحسب المؤرخين- مجرد درويش زاهد يمارس الإسلام بروح صوفية ويدافع عن التقاليد العقائدية، واعتُبر باليم سلطان الشخصية المحورية التي أدخلت كثيرا من الأفكار والمعتقدات المختلفة، مثل اعتماده مبادئ مسيحية كالرهبنة والفقر الاختياري والعزوبة كتقاليد عقائدية داخل المنظومة البكتاشية، ولم تعد ذات الطريقة الصوفية بأفكارها ومعتقداتها السنّية، وهذا منعطف كبير في أفكارها وطقوسها، وهو ما يعرف بالبكتاشية اليوم.

يسير الدارجون في مسالك الطريقة وفق تراتبية متصاعدة تبدأ بمرتبة العاشق ثم المحب ثم الدرويش

 

مرتبة العاشق.. أولى الخطوات في مسالك الطريقة

يسير الدارجون في مسالك الطريقة وفق تراتبية متصاعدة تبدأ بمرتبة العاشق، فذلك حين يبدي المريد رغبته في السير على النهج، ثم تليها مرتبة المحب حينها يطلب رسميا الانضمام إليها، وبعدها مرتبة الدرويش، ويمكن للمنتسب التوقف هنا إذا أراد الزواج، وبعد مرتبة الدرويش الراهب والدرويش الأب.

وعلى الدرويش الأب والراهب الالتزام بالفقر الاختياري والتنسك داخل التكايا وخدمتها، ومنهم من ينظف أو يغسل الملابس أو يرعى الماشية أو يعمل في إعداد الطعام، ويلتزم كل درويش باختصاصه.

أما المرتبة الأخيرة فهي البابا أو بابا التكية، وهو المسؤول عن رعاية التكايا، وهي أماكن للعبادة ونزل لأي شخص يريد اللجوء إليها بغض النظر عن دينه، ويعرف رأس الهرم باسم "دِدِه بابا" وتعني الجد، ودِدِه بالتركية تعني خليفة، وهو شيخ مشايخ الطريقة على مستوى العالم.

تثير تلك التراتبية الجدل بشأن هذه الطائفة، فهل هم من الصوفية؟ أم تنظيم شيعي؟ أم جماعة تجمع بين أديان ومعتقدات مختلفة؟ فهي بهذه الطريقة ليست نفسها طريقة الحاج ولي لأنه كان صوفيا سنيا، وكذلك هو حال صاري صالطق، أما اليوم فيظهر عليها الطابع العلوي بشكل كبير في بعض المظاهر، مثل تقديس الإمام علي رضي الله عنه ونسبهم الحاج بكتاش لنسل موسى الكاظم.

أما اعتقاداتهم المأخوذة من ديانات أخرى مثل تناسخ الأرواح، وأنها تنتقل إلى أجسام وحيوات أخرى بعد الموت، فمن المؤرخين من تسرع ونسبها إلى حركة دينية مسيحية، لكن البكتاش لا يقبلون بهذا التصنيف .

الدراويش البكتاش يعلمون صغار المسلمين الجدد ليصبحوا أفرادا في الجيش الانكشاري

 

جيوش الإنكشارية.. مجد في فجر الدولة العثمانية

حجز تواصل البكتاشية مع البديهيات المسيحية مكانة في التاريخ، حين أسندت الدولة العثمانية لها مهمة تعليم إحدى الفرق العسكرية المستحدثة في الجيش العثماني وتأهيلها إسلاميا وهم قوات الإنكشارية، وأصبح الاسمان -الإنكشارية والبكتاشية- مرتبطين على مدى عقود من الزمن بشكل وثيق.

تعود فكرة الإنكشارية إلى ميلاد الدولة العثمانية وتحولها من قبيلة إلى دولة وما تبع ذلك من التزامات، فقد كانت الدولة تخوض حروبا على جبهات متعددة نجم عنها عدد كبير من الأسرى المسيحيين، وبحسب قوانين الدولة فإنه لا يسمح لخُمس الأسرى بالعودة إلى بلادهم بل يدخلون في ممتلكات الدولة، وهنا ولدت فكرة إدماجهم بالجيش وتأسيس فرقة عسكرية مكونة من الأسرى عرفوا باسم "الجنود الجدد"، وهو معنى كلمة إنكشارية بالتركية.

توسعت بعد ذلك المنظمة العسكرية، وجلب لها الأطفال من مسيحيي الأراضي التابعة للسلطنة العثمانية، وهو بمثابة دفع الجزية وضريبة الرؤوس، وجرى إحضارهم إلى قلب العاصمة وتنشئتهم دينيا وعسكريا ليتشربوا بالولاء للدولة التركية والإسلام ويصبحوا فيما بعد عصب القوات الإنكشارية .

لم يكن هؤلاء الصغار المسيحيون يستطيعون تفهم العقيدة الإسلامية وشعائرها، فكان وجود الدراويش البكتاش إلزاميا بسبب طرحها المتفرد للإسلام، فصار اعتقاد هؤلاء الصغار بكتاشيا، وعلى الجانب الآخر دعمت الجيوش الانكشارية الطريقة البكتاشية ماديا، فتوطدت العلاقة وتداخلت.

محمد سعيد باشا يأمر بتخصيص المغارة التي دفن فيها عبد الله المغاوري للبكتاشية

 

نيران السلطان محمود الثاني.. شتات البكتاشية في الآفاق

في أواخر القرن الثامن عشر ساءت أحوال الإنكشارية وتأزمت علاقتهم بالسلاطين، والسبب تراجعهم قتاليا وعدم قبولهم في التحديثات العسكرية.

ويرى الباحث في التاريخ العسكري محمد مرت سونار أن السبب في رفضهم للتحديث أنهم كانوا يحاولون الحفاظ على مصالحهم المالية والاجتماعية، وعللوا الرفض بأسباب دينية وثقافية بحجة أن النظم تجرى على تشكيلات مسيحية ومن بلاد الكفار وعلينا كمسلمين رفض ذلك، وأمام هذا التعنّت منيت الدولة بهزائم متتالية، ووقع القضاء عليهم في عهد السلطان محمود الثاني عام 1826، ولم تكن الانكشارية وحدها أمام نيران السلطان، بل البكتاشية كذلك، وذلك باعتبارهما خارجين عن القانون.

وبعد ذلك ذهب جزء منهم إلى الجزائر وبعضهم إلى مصر، ومعهم العديد من دراويش البكتاشية. وهنا دخلت البكتاشية طورا آخر، وتوطدت علاقتها بالدولة العلوية التي كانت تحكم مصر، فقد رحب بهم محمد علي باشا وفتح لهم الأبواب متحديا السلطان محمود الثاني الذي كان على علاقة ندّية معه.

وقد منحتهم الدولة المصرية عددا من التكايا، وصارت أملاكهم وقفا لهم بحكم القانون والشرع. وفي عام 1859 أصدر محمد سعيد باشا بتخصيص المغارة التي دفن فيها قايقوزوز أبدال أو عبد الله المغاوري للبكتاشية، وبنوا تكية ظلت مقصدا للمصريين والدولة العلوية، وذلك لاعتقادهم أن المغاوري يُذهب الأسقام ويلبي الحاجات.

السلطان عبد المجيد الأول يسمح للبكتاشيين بافتتاح تكية الأناضول في عام 1840

 

افتتاح تكية الأناضول.. صفقة العودة إلى حضن الخلافة

كانت ألبانيا تسير على درب مصر، وأرادت الاستقلال عن الباب العالي، وقد لجأ إليها كثير من البكتاش والانكشاريين فكثر عددهم وغدت التكايا البكتاشية ملجأ للقوميين الألبان معلنة بذلك العصيان على السلطنة، وأصبح وجود البكتاش يحمل طابعا دينيا وثقافيا وسياسيا وقوميا، وأصبحوا يشكلون تهديدا على الدولة العثمانية، فتدارك ذلك السلطان عبد المجيد الأول، ففي عام 1840 سمح للبكتاشيين بإعادة افتتاح تكية الأناضول باعتبارها التكية الأم، وصارت تحت رعاية الدولة.

وبعد انهيار الدولة، انهار البكتاش. يقول بابا مندي: استمرت تكية الأناضول حاضنة للعالم حتى عام 1924، وبعد صول مصطفى كمال أتاتورك إلى الحكم، أمر بإغلاق جميع التكايا والزوايا الصوفية، وقرر شيخ مشايخ التكية صالح نيازي الرحيل، ولأنه ألباني فقد قرر اللجوء إلى بلده.

وبعد خمس سنوات اجتمع البكتاشيون في مدينة كورشا الألبانية لتقرير مصيرهم، ووقع الاعتراف بتكية طوران مركزا للبكتاشية، إلا أن ملك ألبانيا أحمد زوغو طلب أن تكون التكية في العاصمة، وأصبحت تكية تيرانا هي المركز العالمي للبكتاشية، وبنيت على قطعة أرض لصالح نيازي.

البابا أحمد سري دادا يرحل من الأناضول إلى مصر لإحياء أمجاد تكية المغاوري

 

عصر الشيوعية.. هجرة البابا والملك والطريقة إلى الديار المصرية

بعد الحرب العالمية الثانية دخلت الشيوعية لألبانيا، وكانت متطرفة لأبعد الحدود حتى أنها قضت على جميع الديانات، وهدمت المساجد والتكايا والكنائس، وحاربت رجال الدين فسفكت دماءهم وشرّدتهم وقتلتهم وأصبح الدين محرما.

كان خيار البكتاش الوحيد الرحيل إلى مصر، فرحل معهم الملك أحمد زوغو، وأعاد البابا أحمد سري دِدِه أمجاد تكية المغاوري، ودعا إليها دراويش البكتاشية وأعلامها، وقد كان أحمد سري دِدِه محافظا على الطريقة، ويروي حكايات وقصص الحاج بكتاش ولي ودراويش البكتاش الآخرين.

ويرى المؤرخ خالد محمد عبده أن أحمد سري دادا كان حريصا على توصيل رسالة للمصريين بأن البكتاشيين مسلمون حريصون على المصلحة، وكان يروي الأحاديث والأدعية النبوية التي تجذب العوام، وألف كتاب الرسالة الأحمدية وكتاب المذكرة التفسيرية لشرح الطريقة البكتاشية، واستطاع التحدث مع المصريين بالطريقة التي يحبونها.

تكية المغاوري بالقاهرة

 

ثورة يوليو.. نكبات قاضية في بلاد العسكر

ذهب أحمد سري دادا إلى تركيا وقام بجولة هناك محاولا إحياء تكية الأناضول، إلا أنه بعد عودته كان في انتظاره حدث جلل، فقد قامت حينها ثورة 23 يوليو 1952 التي خلعت الملك فاروق وقضت على الدولة العلوية، وكان لذلك أثره السيء على البكتاشية.

أبعد الملك أحمد زوغو باعتباره حليفا للأسرة العلوية، وتقلص عدد البكتاش في مصر وزادت الضغوط، وكانت مشيخة الأزهر تطالبهم بمراعاة المذهب السني. وجاءت الضربة القاضية لهم حين قامت الحكومة عام 1957 بإخلاء التكية واعتبارها منطقة عسكرية، وأصبحت مخزنا للسلاح، ولم يبق للبكتاشية أمل سوى الانتظار.

وبعد سقوط الشيوعية في ألبانيا في عام 1990 عادت الحريات وعادت دور العبادة وأعيد افتتاح عدد من التكايا لممارسة الطقوس البكتاشية. واليوم هناك خمسة أديان رسمية في ألبانيا كلها تتمتع باستقلالية تامة هي الإسلام السني والكاثوليكة والأرثوذكسية والبروتستانتية الإنجيلية والبكتاشية.

بين المد والجزر كان حال البكتاشية يتذبذب على مر التاريخ، ويتساءل البكتاشي حسين سليماني عن موطنه الأصلي، فربما يكون أحد أبناء الجالية التركية، أو قد يكون أحد أحفاد الإنكشارية، أو أن جده مولود في مصر، لكنه يشعر بأنه ليس وحيدا اليوم ولا منعزلا.

ذات صلة