تقارير

شيشنق الأول.. الأمازيغي الذي استولى على عرش الفراعنة

 

يونس مسكين

أثار اسم الملك الفرعوني شيشنق الأول (يكتب اسمه بطرق مختلفة منها شيشناق) في الأسابيع الأولى من سنة 2021، جدلا كبيرا بين شعوب الجزائر ومصر وليبيا، بسبب اعتبار كل منها أنه ينحدر من بلادها.

وانطلق الجدل إثر الإعلان عن إقامة تمثال لشيشنق في مدينة تيزي وزو الجزائرية باعتباره ملكا أمازيغيا، وهو ما ردّ عليه بعض المعلقين المصريين، معتبرين ذلك سرقة للتاريخ والثقافة المصريين، باعتبار شيشنق ملكا فرعونيا مصريا ينتمي إلى ما يعرف بالأسرة الليبية في الفترة الفرعونية.

ولم تتأخر ليبيا في الدخول على الخط، حيث سارعت حكومة الوفاق الليبية إلى إصدار بيان رسمي تعتبر فيه شيشنق ليبيا خالصا ولا علاقة له بأي بلد آخر.. فما قصة هذا الفرعون الأمازيغي؟

 

"الأكاديمية البربرية".. اعتماد التاريخ الأمازيغي تكريما للفرعون

وقع تدشين التمثال المجسد للملك شيشنق في مدينة تيزي وزو الجزائرية بداية 2021، تزامنا مع الاحتفالات المحلية بما يعرف برأس السنة الأمازيغية الذي يحل في 12 من يناير/كانون ثاني.

وبعدما خلّف سجالات كبيرة عبر الشبكات الاجتماعية، استقطب الحفل عددا كبيرا من المواطنين القادمين من مختلف ولايات الجزائر يتقدمهم قادة سياسيون، إضافة إلى الفنانين النحاتين حميد فردي وسالمي سمير اللذين أنجزا تمثال شيشنق الأول بطول 4.4 م، بتمويل من المجلس الشعبي الولائي بلغت قيمته ستة ملايين دينار جزائري (دولار واحد يساوي 133 دينار تقريبا)[1].

اعتبر المسؤولون المحليون عن هذه الاحتفالية أن اختيار رأس السنة الأمازيغية لتدشين هذا التمثال هو طريقة لتكريم شيشنق، والتذكير بصفحة مجيدة من تاريخ الجزائر وكامل أفريقيا الشمالية. بينما يربط كثير من المؤرخين بداية التقويم الأمازيغي -الذي بلغ عامه الـ2971 مستهل سنة 2021 ميلادية-، بوصول شيشنق إلى سدة الحكم الفرعوني في مصر، وذلك عام 950 قبل الميلاد، حيث يعتبر هذا الملك مؤسسا لما يعرف بالأسرة الفرعونية الـ22[2].

وقد بدأ اعتماد هذا التقويم الأمازيغي في سبعينيات القرن العشرين على يد جمعية أمازيغية تحمل اسم "الأكاديمية البربرية" تأسست عام 1966 في فرنسا على يد مجموعة من الأكاديميين، واعتبرت هذه الهيئة سنة 950 قبل الميلاد، بداية لهذا التقويم، وهو ما يصادف بداية عهد الملك شيشنق في مصر الفرعونية[3].

وأثار هذا الاحتفال الجزائري بنصب تمثال شيشنق الأول عاصفة من السجالات عبر الشبكات الاجتماعية، فقد اعتبر مدونون وناشطون مصريون أن الخطوة سرقة لتاريخ بلادهم، وأطلق بعضهم حملة عبر موقع تويتر مستعملين وسم "#شيشنق_مصري"، مطالبين السلطات المصرية بمخاطبة نظيرتها الجزائرية بهذا الخصوص[4].

 

كبير زعماء المشواش.. ليبيا تثبت نسب ابنها المهاجر

لم تبق الدولة التي تتوسط مصر والجزائر في منأى عن هذا السجال، فقد أصدرت الهيئة العامة للثقافة الليبية التابعة لحكومة الوفاق بيانا قدمت فيه رواية ليبيا، وقالت إنها اعتمدت مرجعا علميا على درجة عالية من الدقة والمصداقية، لتخلص إلى أن الملك شيشنق الأول ينحدر من أصول أمازيغية ليبية، وتحديدا من قبيلة المشواش الليبية، وأن أسرته التي تعرف باسم "الأسرة 22″ تلقب لدى المهتمين بالتاريخ المصري القديم بـ"الأسرة الليبية"[5].

وقالت وزارة الثقافة في حكومة الوفاق الليبية إنها تستعد لإصدار تقرير عن الملك شيشناق الأول، بالتعاون مع عدد من الباحثين والمؤرخين، واصفة إياه بالشخصية الليبية.

أما عالم الآثار المصري زاهي حواس، فقد قال إنه برغم الأصول الليبية للفرعون شيشنق الأول، فهو مصري لخامس جد. وأوضح أن أصول الملك شيشنق المصرية ترجع لأسرته الليبية الأصل التي استوطنت بمدينة تل بسطة (تسمى أيضا بوبسطة) بالزقازيق (دلتا مصر)، وقد هاجرت إلى مصر في الفترة ما بين 1580-1307 قبل الميلاد، أي قبل قرون من ميلاد شيشنق، وأن كهنة طيبة (أعلى هيئة دينية بمصر القديمة) كانوا يطلقون عليه كبير زعماء الماشواش[6].

ولم يقتصر الأمر على الدول الثلاث سالفة الذكر، بل امتد السجال ليشمل تونس، فقد غرّد نشطاء محليون معتبرين أن الملك الفرعوني -الذي يعتقد البعض أنه هزم الملك الفرعوني رمسيس واستولى على حكمه- تونسي الأصل[7].

 

احتفالات رأس السنة.. سجالات الثقافة والدين والتاريخ

مثلما أشعل جدالا حادا في ملاعب السياسة وميادين التواصل الاجتماعي، فقد فجّر تمثال شيشنق في مدينة تيزي وزو الجزائرية سجالات دينية أيضا، منها ما يرتبط بالخلاف حول جواز الاحتفال برأس السنة الأمازيغية من عدمه، حيث يشهر البعض فتاوى تحرّم ذلك، بينما يعتبره البعض شأنا ثقافيا وتاريخيا لا يمسّ الدين، بينما تذهب بعض الكتابات إلى أن الملك شيشنق ذكر في الكتب السماوية، ومنها التوراة والإنجيل.

ولا يقتصر السجال حول الجانب التاريخي، بل يتجاوزه إلى المجال الديني، حيث تثير الاحتفالات والطقوس الخاصة بالتقويم الأمازيغي تحفظات بعض من ينطلقون من خلفية دينية تنظر إلى الأمر من زاوية البدع والأمور الدخيلة على الإسلام.

أبرز الفتاوى التي عادت إلى الواجهة بسبب تمثال شيشنق، هي فتوى أصدرها محمد علي فركوس أبرز شيوخ السلفية بالجزائر عام 2006، وتقضي بعدم جواز الاحتفال بـ"يْنّاير"، أي رأس السنة الأمازيغية.

وتقول هذه الفتوى إن الاحتفال بهذه المناسبة شبيه بأعياد الجاهلية، وأن الإسلام أبدل بها عيدين فقط هما عيد الفطر وعيد الأضحى. بينما يردّ بعض القادة الدينيين بأن هذه الفتوى تنطلق من نظرة ضيقة للدين وأبعاده، وأن الأمر يتعلق بموروث ثقافي للجزائريين يخلق البهجة والفرحة ويكون مناسبة لصلة الرحم[8].

وفي الوقت الذي يشكك فيه البعض في صحة الروايات التي تحكي عن بعض الشخصيات والرموز الأمازيغية، وتتضارب الأقوال التي تؤكد ارتباط التقويم الأمازيغي بظواهر طبيعية وفلاحية مقابل أخرى تربطه بالانتصار المفترض لشيشنق على الفرعون المصري؛ فإنه -وبغض النظر عن صحة هذه الروايات- هناك من يدافع عنها لكون كل الشعوب تحتاج إلى الأساطير المؤسسة لوجودها وكيانها، ومنها الشعوب الأمازيغية التي من حقها أن تمجد من تعتبرهم رجالها العظماء وتعلم أبناءها أن يستلهموا منهم القيم الإنسانية الراقية المبنية على الحرية والحقوق.

تدشين التمثال المجسد للملك شيشنق في مدينة تيزي وزو الجزائرية بداية 2021، تزامنا مع الاحتفالات برأس السنة الأمازيغية

 

أسلاف الفرعون الفضي.. حلف مع شعوب البحر ضد الفراعنة

تعرّف العالم بشكل علمي لأول مرة على الملك شيشنق سنة 1940، وذلك بعد أن تمكن البروفيسور الفرنسي "بيير مونتي" من اكتشاف مقبرته، وقد وجدت بكامل كنوزها ولم تتعرض للنهب، ونظرا لحجم الفضة التي عثر عليها بمقبرته سمي بالفرعون الفضي.

وتعود أسرة شيشنق إلى أصل ليبي، وتضم مجموعة من الأثرياء الذين استقروا في مدينة إهناسيا الواقعة في محافظة بني سويف ، لكنهم مدوا نفودهم تدريجيا لغاية الفيوم[9].

وتمثل هذه الأسرة ما يشبه "الديكتاتورية العسكرية" بلغة الحاضر. فقد نجح المقاتلون الليبيون المشواش في أن تكون معظم وحدات الجيش الفرعوني قاصرة عليهم وحدهم، وكان رؤساؤهم يتمتعون بنفوذ كبير لأن البلاد كانت في حالة انهيـار سياسي وعـسكري واقتصادي، وهي منقسمة إلى عدة ممالك، وأصبحوا يمثلون القوة العسكرية، واستغلوا هذا التفوق لكي يسيطروا على العرش[10].

وتؤكد بعض المصادر التاريخية أن البنية القبلية التي ينحدر منها شيشنق حاولت كثيرا السيطرة على مصر عن طريق القوة العسكرية، فقد اتحدوا مع شعوب البحر (اسم يطلقه علماء التاريخ على الأقوام التي هاجمت سواحل مصر وليبيا قادمة من البحر الأبيض المتوسط) وهاجموا مـصر، ولكن لم يتسن لهم البقاء على أرضها، ثم عادوا من جديد في العام الحادي عشر من حكم رمسيس الثالث، وانتصر عليهم الفرعون على حدوده، لكن ذلك لم يمنعهم من دخول مصر مسالمين، وهم يضمون خليطا من أهل الصحراء الغربية الأقدمين وفئات من شعوب البحر الذين نزلوا سواحل ليبيا منذ أواخر القرن الثالث عشر قبل الميلاد[11].

دخل المشواش أرض مصر كرعاة وتجار أو مرتزقة في الجيش، واستقرت قبائلهم منذ أواخر عهد رمسيس الثالث على أطراف مصر الزراعية، وحـول الحصون المنتشرة على الحدود الغربية، ثم تمصروا تدريجيا وعبـدوا آلهـة المصريين، ودخلت جماعات منهم في الحاميات العسكرية المصرية، ومنحوا بعـض الأراضي الزراعية كمرتبات لهم في مقابل خدمتهم بالجيش، مما ساهم في ازدياد نفوذ هؤلاء الليبيين[12].

دخل قوم شيشنق كمرتزقة في الجيش ومنحوا بعـض الأراضي الزراعية كمرتبات لهم في مقابل خدمتهم، مما ساهم في ازدياد نفوذهم

 

"الملك الكبير ما".. خطة اختراق الأعراف للاستيلاء على الحكم

ساعدت الظروف التي كانت تمر بها مصر في ذلك الوقت على أن يتمتع المشواش بكثير من النفوذ في جالياتهم التي اتسمت بالصبغة العسكرية، وأبرزها تلك التي كانـت تعيش في الواحات، ثم نزحت إلى إهناسيا في أخريات أيام الرعامسة (جمع رمسيس)، وهي التي سيكون منها شيشنق الأول مؤسس الأسرة الثانية والعشرين.

قبل أن يستولوا على السلطة في إهناسيا، كان المشواش الذين ينتمي إليهم شيشنق قد أصبحوا مصريين بالفعل، وبعد أن كانوا رؤساء وقادة عسكريين فقـط، أصبح رئيسهم يحمل لقب "ما" أو "الملك الكبير ما"، وهو اختصار لمشواش، وبحملهم لهذا اللقب الديني فقد أصبحوا كذلك كهنة للمعبد المصري "حري شف"، وأصبح لهم كامل الحق في أن يدفنوا كالمصريين، وسوف تزداد قوة العائلة فيما بعد، ومن إهناسيا سوف يبسطون سيطرتهم حتى "تل بسطة" التي سيتخذونها عاصمة للأسرة الثانية والعشرين[13].

فطول مقام الليبيين في مصر علّمهم كيفية الاستيلاء على الحكم دون مقاومة شعبية، وذلك بالحرص الشديد على التقاليد السياسية والدينية المحلية الموروثة من أقدم العهود التاريخية[14].

فشيشنق لم يكن في بدايته يحوز أيا من مقومات الصعود إلى العرش، حيث لم تكن تجري في عروقه دماء ملكية ولا يرتبط بعلاقة مصاهرة مع الأسرة الفرعونية، لكنه حلّ هذه المشكلة من خلال تزويج ابنه بأميرة هي ابنة آخر الملوك الفراعنة، وهو ما ساعده في التحكم في مقاليد الحكم[15].

ومما يدل على قوة شيشنق وثرائه ومكانته في المجتمع قبل توليه الحكم، أنه في نهاية عهد الأسرة الحادية والعشرين، توفي أحد أبنائه ودفن، ثـم حـدث اعتداء على مقبرته، فذهب شيشنق وشكا للفرعون، فاهتم بالأمر واصطحبه إلى طيبة ليستمعا إلى حكم "آمون رع" فـي ذلك، وقد أقيمت المحاكمة في معبد آمون بالكرنك أمام الفرعون وكبير الكهنة، وانتهت بإدانة الجناة، وعندئذ انحنى الفرعون أمام تمثال الإله، وطلب منه أن يبارك كل أعمال شيشنق، وأرسل ترضية في صورة تمثال باسم والد شيشنق[16].

ينتمي شيشنق الأول للعائلة الفرعونية 22 التي حكمت مصر لمدة قرنين

 

مفاتيح مصر في يد الكهل الخمسيني.. انقلاب هادئ

اغتنى شيشنق كثيرا قبل توليه الحكم، وذهب ليعيش في بو بسطة، حيث تزوج ولده أوسركون من الأميرة ماعت كارع ابنة الملك والوريثة الشرعية. ويبدو أن انتقال الحكم إلى شيشنق قد تم في هدوء، وأنه عندما كان في الخمسين من عمره لم يقم بثورة لخلع بسوسنس الثاني، وإنما انتظـر حتى وفاته، ثم تقدم واستولى على العرش[17].

تربعت أسرة شيشنق على عـرش الفراعنة، واتخذت من بو بسطة عاصمة لها، ثم أصبحت إهناسيا مقر أسرة شيشنق القديمة إقطاعا لفرع من الأسرة تولت أمورها المدنية والدينية. أما الصعيد المصري، فلم يعترف بشيشنق ملكا على مصر لفترة، ثم عاد وسلم بالأمر الواقع، وهنا غادر بعض كهنة طيبة مصر كلها، لعدم رغبتهم في الخضوع للحكام ذوي الأصل الليبي، واتجهوا إلى أطراف الحدود المصرية الجنوبية، حيث كانت أسرة جديدة تحكم في نباتا عند سفح جبل البركل[18].

فمن المعروف أن طيبة ومعظم أقاليم مصر العليا كانت علـى أيام الأسرة الحادية والعشرين بمثابة دولة داخل الدولة، وعلى رأسها أسـرة كهنوتيـة تحمل الألقاب العسكرية، ومن ثم فقد عمل شيشنق الأول على توطيد وحـدة الـبلاد بوسيلتين: الأولى هي تعيين بعض أفراد البيت المالك وأنصارهم على رأس الإدارات الكبرى في كهانة آمون في طيبة، والوسيلة الثانية هي الزواج المـستمر مـن بنـات الأسرة الكهنوتية في طيبة[19].

عين شيشنق ولده إيو بوت في منصب كبير كهنة "آمون رع" فـي الكرنك، مكسرا بذلك تقليد الوراثة المتعارف عليه من قبل لهذا المنصب الـذي كـان محفوفا بالمخاطر، لأن كبار كهنة آمون لم يكونوا مجرد كهنة فحسب، وإنمـا كـانوا كذلك رجال حرب، وتمكن شيشنق بذلك من تمكين أسرته من السلطتين السياسية والروحية معا، وأدى هذا إلى ارتباط الكهانة بالملكية[20].

فبدلا من أن يضم حكومة طيبة المستقلة إلى حكومته في عاصمته الجديدة بو بسطة، اكتفى شيشنق بتنصيب أحد أبنائه ككاهن أكبر، وهو المنصب الديني الذي يعني حيازة السلطة السياسية أيضا، وهو ما أعاد للبلاد وحدتها، حيث باتت كل من حكومة طيبة الدينية وحكومة بو بسطة الدنيوية في يد الأسرة نفسها. ومباشرة بعد إتمام عملية التوحيد هذه وجه شيشنق أنظاره إلى الخارج، حيث كانت لديه رغبة جامحة لاسترجاع أمجاد مصر في كل من غربي آسيا والسودان، وهو ما تحقق من خلال حملته على فلسطين.

نصب شيشنق أحد أبنائه ككاهن أكبر، وهو المنصب الديني الذي يعني حيازة السلطة السياسية

 

أسرار البلاط الفرعوني.. تمهيد الطريق إلى الدكتاتورية العسكرية

لم يكن شيشنق مضطرا إلى عزل الفرعون رمسيس أو بسوسن كما يلقبه البعض، وهو آخر ملوك الأسرة الفرعونية 21، كما لم ينفذ ضده انقلابا دمويا كما يخيّل للبعض، بل اكتفى بانتظار موته بعدما كان قد تمكّن من أوصال الدولة وسيطر عليها، مستفيدا في ذلك من قربه من البلاط الفرعوني ومعرفته بأسراره.

وأدرك شيشنق منذ البداية أن سبيله الوحيد نحو الحكم هو كسب العقول والقلوب، من خلال الورقة الدينية التي استفاد فيها من الإرث الديني العريق لأسرته، فوالده ورث عن أجداده رئاسة الكهنة في طيبة، وحمل لقب الكاهن الأعظم. هكذا تقدّم شيشنق بكل ثقة إثر وفاة الفرعون، وتولى زمام الحكم دون أدنى مقاومة، مؤسسا للأسرة الفرعونية 22 بمساعدة من سدنة معبد أمون[21].

ويفسّر بعض الباحثين آثار الحروب والقلاقل التي حدثت في بدايات حكم شيشنق، بالدكتاتورية العسكرية التي جاء بها، وليس بصراعه مع الأسرة الفرعونية الحادية والعشرين. لكن المصادر التاريخية تقر بصعوبة الجزم بمدى انتشار تمرد المصريين الرافضين لهذا الوجود الأجنبي الذي طال العرش، وإن كان المرجح أن طيبة ومجاوراتهـا هي مركز الاحتقان المصري الرئيسي ضد شيشنق وسياسته[22].

 

غزو بلاد يهوذا.. انتصار الفراعنة على بيت المقدس

اعتلى شيشنق عرش مصر وهي منهكة القوى، وجيرانها في الشرق تـزداد مطـامعهم فـي أملاكها في آسيا التي جنتها منذ أيام المجد، وقد بات هؤلاء الجيران الطامعون ينافسون مصر في مجال التجارة، فتلك ظروف تفسّر لماذا تميّز عهد هذا الفرعون الليبي-المصري بالحروب الخارجية، وعلى رأسها حملته العسكرية التي قادته إلى فلسطين والشام، وإن كانت المصادر التاريخية تعجز عن تحديد سبب هذا التحرك العسكري الذي وقع مباشرة بعد وفاة النبي والملك سليمان عليه السلام.

وأبرز ما ميّز حكم الملك الأمازيغي شيشناق هو هجومه على أرض يهوذا في عهد الملك رحبعام الذي خلف والده سليمان عليه السلام ودخوله منتصرا إلى القدس.

واقعة تاريخية ترد عنها الكثير من التفاصيل في المصادر المكتوبة، وعلى رأسها التوراة في الجزء المسمى "أخبار الأيام الثاني"، حيث يعتبر البعض أن شيشنق كان واحدا من المصلحين الذين أدوا مهام نبيلة كمثل شخصيات أخرى معروفة في المراجع الإسلامية، مثل ذي القرنين والخضر. وتتحدث المصادر عن علاقة ود طيبة جمعت بين شيشنق ونبي الله الملك سليمان قبل وفاته[23].

قاد شيشنق حملة على فلسطين والشام بسط فيها سيطرته عليهما

 

تمزيق مملكة النبي سليمان.. عودة الملك بالأسرى والنصر

يجمل الباحثون -الذين حاولوا تدقيق أحداث هذه المرحلة التاريخية- أسباب حملة شيشنق على فلسطين والشام في أسباب رئيسة، منها سعيه إلى إحياء أمجاد مصر في غربي آسيا، ومحاولته تثبيت عرش يربعام في بني إسرائيل، فقد هرب إلى مصر فرارا من سليمان، ولقي ترحابا ووعودا بالدعم من شيشنق، ثم عاد إلى أرضه بعد وفاة سليمان، وعندما اختلفت قبائل إسرائيل الشمالية مع الجنوبية وانفصلتا إلى دويلتي إسرائيل ويهوذا، اختاره الشماليون ملكا على إسرائيل[24].

كما يحتمل أن يكون الدافع وراء تلك الحملة ما كان معتادا وقتها من البحث عن الغنائم والموارد، كما لا يستبعد أن يكون الدافع هو سعي شيشنق للانتقام من قبائل يهوذا المحاذية للدلتا الشرقية، لكونها كانت تدخل في مناوشات حدودية[25].

وإلى جانب المصادر التاريخية المكتوبة التي تتحدث عن هذه الحملة العسكرية -ومن بينها التوراة-، فإن شيشنق حين عاد إلى مصر سجل قصة انتصاره في لوحة على واجهة الجزء الجنوبي من الصرح الثاني في معبد الكرنك، ويظهر الملك في منظر فوق رؤوس الأسـرى من الصرح الثاني في معبد الكرنك وهو يقدمهم إلى المعبود آمون[26].

ويمثل هؤلاء الأسرى أهالي 156 مدينة فلسطينية تقع على الحدود الجنوبية لأرض يهـوذا وشـمال الجليل. وحتى يسهل الاقتراب من هذه النقوش التي تغطى الجـدران، شـيد شيشنق بوابة رئيسية بالكرنك، تقع بين الصرح الثاني ومعبد رمسيس الثالث، وتعرف اليوم باسم "بوابة باستت"، ويمر من أسفلها طريق يؤدي إلى هذه النقوش. وبينما تجهل المصادر التاريخية ما إن كان شيشنق قد قام بحملة أخرى بعد ذلك في شمال فلسطين أم لا، فإنها تثبت أنه توفي بعد حـوالي عام واحد من حملته إلى فلسطين[27].

قتال الغرباء من أجل الاستقلال والهيبة.. سلطان مصر على المغتصبين

بينما استمرت عهود الحكام ذوي الأصول الليبية أكثر مـن قرنين بدءا من حكم شيشنق، فقد أكدت البحوث العلمية أنهم نسوا في هذه الفترة الطويلة أصلهم الغريب عن مصر، ولم يذكروا عن أنفسهم إلا أنهـم فراعنة مصريون، فحاربوا باسم مصر خارج حدودها، وحاولوا أن يستعيدوا لها بعض سمعتها وهيبتها القديمة[28].

ويشبّه بعض المؤرخين عهود هؤلاء الحكام ذوي الأصل الليبي بعهود المماليك المتمصرين الذين لم يعتبرهم التاريخ أجانب بقـدر ما اعتبرهم مغتصبين، ولم يستطيعوا أن يؤثروا في الروح المصرية بقدر ما تأثروا بها، ولم يمنع اغتصابهم لعرش البلاد من أن يظهر بينهم عدد من الحكام المصلحين، وكذا فلم يمنع أصلهم الغريب عن مصر من أن يخلصوا لها ولاستقلالها[29].

ويتجلى الشبه بين حكم الملوك الليبيين لمصر وبين حكم المماليك، في كون هؤلاء وأولئك دخلوا  البلاد لخدمة الملك والاشتراك معه في شن الحروب على أعداء مصر، وبعد أن قوي سلطانهم واستولوا على كثير من مرافق البلاد أخذوا يعملون في الخفاء على إضعاف الملك وسحب السلطة منه شيئا فشيئا، إلى أن حان الوقت وقفزوا إلى عرش الملك دون كبير عناء أو مقاومة عنيفة[30].

المومياء الكندية.. بقايا جسد الملك الثمانيني القصير

تتراوح التقديرات للعمر الذي توفي عنده شيشنق، بين 70 و80 عاما، بينما تأكد علميا أنه دفن في الجبانة الملكية في تانيس، حيث عثر داخل غرفة الدفن الرئيسية بإحدى مقابر الجبانة على تابوتين يرجّح أن أحدهما يعود لشيشنق. ويعود اكتشاف المقبرة الخاصة بالملك شيشنق إلى بعثة أثرية فرنسية متخصصة في التاريخ المصري القديم، حققت اكتشافها التاريخي سنة 1939[31].

ورغم أنه لم يعثر في المقبرة على مومياء الملك، فإن مومياء محفوظة في كندا وخضعت لبحوث علمية دقيقة، يرجّح أنها تعود لشيشنق، بالنظر إلى نتائج فحوصات تحديد العصر الذي تعود إليه، وجودة أسـلوب التحنيط الذي يتلاءم مع الطراز الملكي.

وبعد فحص الهيكل العظمي لشيشنق استطاع العلماء معرفة صفاته الجسدية، ومنها أن طوله كان 1.66 سم، وأنه كان قوي البنية، ورأسه ضخم مقارنة بجسده القصير، وعينه اليمنى أعلى من عينه اليسرى، وأنه توفي عن عمر يناهز 80 عاما[32].

 

المصادر

[1] https://www.aps.dz/ar/regions/99767-2021-01-12-18-27-01

[2] https://www.aps.dz/ar/regions/99767-2021-01-12-18-27-01

[3] Le roi Chachnak, des rives du Nil aux montagnes du Djurdjura : Controverses autour d’une statue | El Watan
[4] https://arabic.rt.com/middle_east/1192748-تنصيب-تمثال-الملك-الأمازيغي-شيشناق-بالجزائر-يشعل-مواقع-التواصل/

[5] https://arabic.rt.com/middle_east/1192748-تنصيب-تمثال-الملك-الأمازيغي-شيشناق-بالجزائر-يشعل-مواقع-التواصل/
[6] https://www.alarabiya.net/arab-and-world/egypt/2021/01/16/زاهي-حواس-يكشف-لـ-العربية-نت-قصة-شيشنق-الأول-فرعون-مصري-من-أصول-ليبية-
[7] https://alarab.co.uk/تمثالشيشناق-جديد-معركة-الهوية-في-الجزائر

[8] https://www.alquds.co.uk/بين-تمثال-وفتوى-صداع-برأس-السنة-الأما/

[9] Le roi Chachnak, des rives du Nil aux montagnes du Djurdjura : Controverses autour d’une statue | El Watan
[10] إبراهيم محمد بيومي مهران، دور الحكام ذوي الأصول الليبية في مصر أيام الأسرة 22، مجلة دراسات في آثار الوطن العربي، كلية آداب، جامعة عين شمس، 2010
[11] إبراهيم محمد بيومي مهران، مرجع سابق
[12] إبراهيم محمد بيومي مهران، مرجع سابق
[13] براهيم محمد بيومي مهران، مرجع سابق
[14] سليم حسن، مرجع سابق
[15] سليم حسن، مرجع سابق
[16] إبراهيم محمد بيومي مهران، مرجع سابق
[17] Wilkinson, T., The Rise and Fall of Ancient Egypt: The History of a Civilization from 3000 BC to Cleopatra, London 2010
[18] Leclant, J., Elements pour une etude de la divination dans l’ Egypte Pharaonique I, Paris 1968
[19] إبراهيم محمد بيومي مهران، مرجع سابق
[20] أحمد أمين سليم: دراسات في تاريخ الشرق الأدنى القديم، مصر – العراق- إيران، دار النهضة العربية، بيروت 1989

[21] http://brahimtazaghart.over-blog.com/2017/01/.html

[22] إبراهيم محمد بيومي مهران، مرجع سابق
[23] http://brahimtazaghart.over-blog.com/2017/01/.html

[24] محمد بيومي مهران، مصر، الجزء الثالث، منذ قيام الدولة الحديثة حتى الأسرة الحادية والثلاثين، الإسكندرية 1989
[25] جيمس هنري برستد، تاريخ مصر من أقدم العصور إلى الفتح الفارسي، ترجمة الدكتور حسن كمال، مراجعة محمد حسنين الغمراوي بك، القاهرة 1990
[26] إبراهيم محمد بيومي مهران، مرجع سابق
[27] رمـضان عبده علي، رؤى جديدة في تاريخ مصر القديمة منذ أقدم العصور حتى نهايـة عـصور الأسـرات الوطنية، الجزء الرابع، من الأسرة التاسعة عشرة حتى دخول الإسكندر الأكبـر مـصر، القـاهرة ، 2008

[28] إبراهيم محمد بيومي مهران، مرجع سابق
[29] سليم حسن، موسوعة مصر القديمة، الجزء التاسع، مطبعة جامعة فؤاد الأول، 1952
[30] سليم حسن، مرجع سابق
[31] Des berbères devenus pharaons d’Egypte pendant près de deux siècles, dans "El-Watan" (lemonde.fr)
[32] https://www.echoroukonline.com/4-دلائل-تاريخية-على-أصول-الملك-شيشنق