تقارير

مسلمو كوريا الجنوبية.. إشعاع التجارة والدعوة ومحنة العزلة والاغتراب

 

محمد الحافظ الغابد

إن للفقر مخالب لا تخطئ فريستها، لكنه يتحول إلى فريسة عندما يقع بين أنياب العلم، وبكثير من العمل والإصرار تضع الأمم قواعدَ مجدِها.. وهكذا فعل قوم كوريا الجنوبية.

أمة من الناس تُنشئُ من جبين الحروب دولة في أقل من خمسين عاما، وتشق بـأضأل شعاع ضوء حضارة عملاقة.

قصة حقيقية عنوانها كوريا الجنوبية، استعرضتها الجزيرة الوثائقية في حلقة من حلقات سلسلة نسيج وطن عنوانها ”المسلمون في كوريا الجنوبية“.

ينتظم سكان كوريا الجنوبية في سلك شيفرة تكوين اثني معقدة إلى أقصى التعقيد، في تعداد ازدياد سكاني يربو على الخمسين مليونا، نسبة 46% منهم لا يدينون بأي دين، بينما يعتنق قراب 30% النصرانية، ويقدر معتنقو البوذية بـنحو 22%، علاوة على أقليات دينية منها مسلمون.

يعود تاريخ الوجود الإسلامي في كوريا إلى أربعينيات القرن التاسع حينما عرف التجار العرب والإيرانيون طريقهم إلى الشطر الجنوبي من شبه الجزيرة. وهو وجود مهدت لتبلوره آصرة علاقة القربى الجغرافية بين كوريا الجنوبية والصين، حيث يرى بعض المؤرخين أن تعرّف المسلمين على أرض شبه الجزيرة الكورية امتداد لحركة نشاط تجاريّ عبر طريق الحرير التاريخي الوعر الرابط بين الصين وأوروبا مرورا ببلاد الشام.

المسلمون كانوا هنا

كانت نقطة وصول الإسلام الأولى منطقة ”سيلا“ على الحدود الصينية الكورية، وفي عاصمة ”سيلا كينوغو“ الكورية الجنوبية عثر مستكشفو آثار على مقتنيات ماديّة تؤرخ لذلك الوجود العربي الإسلامي، كما وقف بعض الباحثين على سجلات أرشيفية توثّقه.

وكانت طلائع التجار المسلمين قد عرفت طريقها إلى الجغرافيا الكورية في عام 1392م في عهد حكم عائلة ”يِي آي“ الأهلية التي تبنت سياسة العزلة الدولية حين اعتلت عرش مملكة ”تشوسون“، ووضعت حدا رقميا لعدد الوافدين الأجانب على أراضيها بعدما وضعت ضوابط مشددة للدخول والإقامة.

ثم جاء عصر الاحتلال الياباني الذي طوقت قبضتُه بلادَ كوريا على مدى 86 عاما. ولما أرخى الاحتلال الياباني قبضة سيطرته العسكرية شبّت الحرب الأهلية في شبه الجزيرة الكورية التي عُرفت محليا بـ“حرب 25 يونيو/حزيران“، أخذا من تاريخ أول أيام اندلاعها سنة 1950.

كانت نقطة وصول الإسلام الأولى منطقة ”سيلا“ على الحدود الصينية الكورية

الكتيبة التركية

وقد انجلى غبار الحرب الأهلية عن تقسيم شبه الجزيرة الكورية إلى شطرين جنوبي وشمالي في مشهد احتواء  أو تدخل دولي عالمي كان من تفاصيل أحداثه إنزال كتائب متعددة ضمن قوات حفظ السلام الأممية، لتجد البلاد ترابها على موعد مع ثانية سجدتين إسلاميتين، ارتسمت أولاهما على جباه رعيل التجار الأوائل، بينما لاحت سيما ثانيتهما على وجوه عناصر الكتيبة التركية.

هكذا انتقلت خطا القدم المسلمة على الصعيد الكوري من المتجر إلى المعسكر، ومن الحاجة الشخصية إلى المهمة الرسمية، لتبدأ قصة مسجد وطَهور عنوانها العريض ”الإمام عبد الغفور كارا إسماعيل أوغلو“. وهو اسم وعته الذاكرة الكورية من كثرة تردد ذكره على منابر الدرس والمحاضرة ومنصات الجامعة من وراء ترجمان.

حضور دعوي كان من ثمراته إسلام زهاء مئتي كوريّ في مجلس درس الإمام الشيخ كارا إسماعيل، فكان تأثيره قاعدة تأسيس قوية لحركة انتشار الإسلام في كوريا الجنوبية.

وقد مكّن لدعوة كارا أوغلو تقدمُ مستوى التعليم في كوريا الجنوبية حتى عوّض ما فات سلفَه التجار الأوائل الذين اعتمدوا الطريقة العربية التقليدية في التعريف بالدين ونشر الإسلام في الوسط الكوري.

ووفق موثّق الشهادات التاريخية كان أول من هدى الله على يدي الإمام كارا رجل عرف لاحقا باسم ”عمر كين“ الذي دخل الإسلام عام 1954.

”الإمام عبد الغفور كارا إسماعيل أوغلو“ أحد الدعاة الأتراك في كوريا

قصة المسجد الأول

أما أول مسجد يرفع ويذكر فيه اسم الله فقد كان ”مسجد سيئول المركزي“ (الجامع) الذي أُسس بنيانُه ورُفعت قواعده عام 1976 على أرض ممنوحة رسميا للمسلمين هدية من دولة كوريا الجنوبية.

وقد قرأ بعض العارفين بالشأن الرسمي الكوري هذه الهدية بأنها لمأرب سياسي من أجل إرضاء الدول العربية والإسلامية الرسمية، استدرارا لجيوب المساعدة الاقتصادية بين يدي أزمة النفط، وسعيا من الرئيس ”بارك جونغ هي“ زعيم النهضة الاقتصادية والصناعية الشاملة في كوريا الجنوبية لتقليص اعتماد بلاده على اقتصاد الولايات المتحدة الأمريكية، وإيجاد أسواق جديدة لمنتجات الشركات الكورية الجنوبية.

على أن بادرة الدبلوماسية الرسمية لم تدرأ عن الجالية والأقلية المسلمة تربّص العزلة، ولم ترفع عنها شبح الغربة اللتين يعكس جانبا منهما إطلاق المجتمع الكوري الجنوبي على المسلمين وصف الـ“هيغو“. ويعني هذا المصطلح ”الدوّارون حول الكعبة“، في استغراب يزيد فداحة تجاهلِه تهميش الإعلام الكوري الجنوبي للشأن الإسلامي، وحجبه أضواء التركيز على أحداث الساحة الإسلامية وفى أحسن الحالات عرضها من وجهة نظر غربية متحاملة ومن دون تمحيص.

لا يتجاوز عدد المسلمين نسبة الـ1% من مجموع السكان الذي يقدّر بنحو 51 مليون نسمة

مواجهة التحدي

هذا التحدّي جابهه بعض أبناء الأقلية المسلمة من خلال مبادرات أهلية وجهود ذاتية لنشر رسالة ”القضية الإسلامية“ في الوعي الكوري وبعث حضورها في وجدان المجتمع، بالتوازي مع طرح البديل الشرعي الإسلامي في مجال معاملات وتبادلات الدولة والمواطن الرسمية والمؤسسية، اجتماعيا واقتصاديا.

بيد أن تلك ”المحاولات الإسلامية“ ما فتئت تصطدم بـصخرة الطبيعة المادية لفكر ووعي ”الشخصية الكورية“ الصلدة التي يتقاسم أولويات جدول اهتمامها الإشباع الحسي والإثراء النفعي، رغم دوافع الانتماء الوطنية الراسخة ومبادئ الهوية الذاتية المتأصّلة التي تمثل ولو على المدى البعيد رهان العقلية الإسلامية في اختراق العقل الكوري وحجز موطئ قدم على خريطة التأثير.

ومصدر هذا الرهان ”نقاط حدود مشتركة“ بين موروث القيم الثقافية والاجتماعية للأمة الكورية التي تعتز بتاريخها الشرقي فوق احتفائها بالمستقبل الغربي، وبين مبادئ وتعاليم الدين الإسلامي السّمح؛ في ”تقارب“ من ملامحه احترام ذي الشّيبة، وصلة الرحم، وتقدير العمل والسمو الروحي.

أثمر هذا الجهد عن نطق قرابة 35 ألف كوري كلمة الشهادة ودخولهم دين التوحيد، وفق موثق سجلات إحصاء الفدرالية الإسلامية. وهو رقم ”عددي“ لا يتجاوز عند المقارنة الحسابية نسبة الـ1% من مجموع السكان الذي يقدّر بنحو 51 مليون نسمة.

وقد عانت هذه من أزمة عزلة مضاعفة تتجلى أعراضها في الدوام العملي والنشاط الخدمي والشارع العمومي وفي الوسط الاجتماعي.