نقد سينمائي

"آدم" عن الأمهات العازبات.. يمثل المغرب في جائزة الأوسكار

المصطفى الصوفي

لم تكن "سامية" تعتقد أنها ستكون ضحية حب مغشوش أو علاقة غرامية فاشلة وماكرة حين وضعت ثقتها في الشاب الذي أحبته، ولم يكن في حسبانها أن بيض مشاعرها الصافية الذي وضعته في سلة واحدة سينكسر كله، ومعه تنكسر أحلامها، وهي الفقيرة المعدمة الآتية من أحد الأرياف النائية إلى مدينة شرسة لا ترحم.

"سامية" الإنسانة الطيبة لا تعرف كيف ستخرج من براثن هذه المصيبة التي حلت بها، وهي تحمل في أحشائها طفلا على وشك الخروج إلى الوجود، تدخل مدينة الدار البيضاء بحثا عن عمل، وعمن يخلصها من هذا المولود غير الشرعي الذي رسم على جبينها وشم الفضيحة والعار.

تلك بعض من أطياف مشاهد المخرجة والممثلة مريم التوزاني في فيلمها الجديد "آدم" -سيناريو نبيل عيوش- وهي تعيد رسم ملامح قصة حقيقية عاشتها أيام دراستها في الجامعة، حين كانت تلتقي بفتاة مقبلة على الوضع، وتطلب يد العون من عائلتها إلى حين وضع جنينها، والبحث عمن يتبناه.

من الواقع إلى السينما

إذا كان الأدب في هذا الصدد هو تعبير عن المجتمع، وأن أروع الأعمال الأدبية هي التي كتبت عن المجتمع، فإن السينما الحقيقية هي التي تنهل أيضا من صميم الواقع وكنه المجتمع، وتكون تعبيرا عن حكايا وقصص واقعية. وبالتالي يكون فيلم "آدم" واحدا من أبرز الأعمال السينمائية الجديدة التي نقلت صورة الواقع إلى السينما بطريقة جذابة ودرامية، وفق رؤية إخراجية تنتصر لقيم الحياة والإنسان.

وفي هذا الإطار، فقد تم اختيار فيلم "ادم" من قبل المركز السينمائي المغربي، ليمثل المغرب في مسابقة أحسن فيلم أجنبي لجائزة الأوسكار للعام 2020. وقد رأت فيه لجنة الانتقاء التي ضمت المخرجين ليلى تريكي ونور الدين خماري ومحمد نصرت وطارق خلامي وأحمد سحني، والناقدين عمر بلمختار ومحمد العروصي، رأوا فيه عملا متجانسا ومتكاملا ويمكن أن يتنافس على الجائزة العالمية بشرف.

يعالج فيلم "آدم" موضوع الأمهات العازبات، ويرسخ لثقافة حب الحياة في النهاية، وهو من إنتاج ثلاث شركات مغربية وفرنسية وبلجيكية، ومن المنتظر أن يشارك في مسابقة عدد من المهرجانات الدولية أبرزها المهرجان الدولي للفيلم بمراكش، كما شارك في مهرجانات دولية عدة، كمهرجان كان في دورته الـ72، وتوج خلال شهر أغسطس/آب الماضي في مهرجان أنغوليم للسينما الفرنكوفونية بفرنسا.

لعب دور البطولة في الفيلم الذي صور بمدينة الدار البيضاء، كل من لبنى إزبال (في دور عبلة)، ونسرين الراضي (سامية)

تقاسيم وجه الحزين

لعب دور البطولة في الفيلم الذي صور بمدينة الدار البيضاء، كل من لبنى إزبال (في دور عبلة)، ونسرين الراضي (سامية)، ودعاء بلخودة (وردة ابنة عبلة)، وعزيز الحطاب (السليماني)، ثم حسناء كمكاوي (رقية)، كما يعد ثالث تجربة للمخرجة بعد فيلمين قصيرين هما "آية تذهب إلى الشاطئ"، و"عندما ينامون"، وأعمال وثائقية أخرى.

في مستهل الفيلم تركز الكاميرا على" عبلة" الأم التي فقدت زوجها منذ سنوات في حادثة مرمر قاتلة، وهي تعجن العجينة، بعد أن صبت عليها الماء الذي هول أصل الحياة ورمز الطهر، كما الدقيق هو أصل الحياة أيضا، ومن غير الخبز والماء لا يستطيع الإنسان أن يعيش.

في هذا المشهد الذي تعجن فيه "عبلة" العجينة لإعداد الفطائر، يتضح أنها تكاد تتغلب على همومها القديمة، بهذه الطريقة وإن كانت غير مباشرة، وهو ما يبرزه تقاسيم وجهها الحزين وهي تتحدث إلى ضيفتها الحامل "سامية" غير راضية عنها ولا عن حضورها إلى البيت.

حين تركز الكاميرا على يدي "عبلة" وهي تعجن العجين بقوة كجزء من عادات المجتمع، فإن المشاهد يستشعر نوعا من الرغبة في الانتقام أو التخلص من قبل الأم الثكلى، ونوعا من العنف الممارس عليها، وقد يكون عنف المجتمع، أو عنف القدر الذي سلط عليها مصيبة جديدة، لكنها تتحداه بالصبر والأمل والتفاؤل، وزرع بذور الخير رغم الاحزان.

الممثلة نسرين الراضي بدور "سامية" في أحد مشاهد من الفيلم

قصص مجتمعية وإنسانية

ويبرز هذا السخاء في التعامل مع شخص مضطهد ومشرد وغير مرغوب فيه من قبل المجتمع والشارع مع توالي المشاهد، من خلال سماح عبلة لـسامية بالبقاء في المنزل والمكوث معها مع إكرامها، حين تقول عبلة سامية بنبرة فيها حنان وإشفاق "العشاء ستجدينه الثامنة" لأن ابنتها الصغيرة "وردة" تريد مراجعة دروسها كإشارة إلى المستقبل، علّ العلم والتحصيل يكون الخلاص من كل فقر ومذلة ونظرة دونية من الناس.

إن حضور صوت الراديو أثناء حوار كل من عبلة وسامية لم يكن بريئا، فالمذيع يتحدث عن قضية تؤرق بال الكثير من أفراد المجتمع المغربي خاصة الفقراء والطبقة المتوسطة، ألا وهي قضية الكراء، وهي قضية تريد المخرجة الإشارة اليها كواحدة من المشاكل التي تعيشها الكثير من الأسر، وخاصة المرأة في مدينة كالدار البيضاء.

وبهذا يكون هذا الثالوث الذي استحضرته المخرجة في فيلمها، فيه الكثير من الإقناع عن قضية مهمة يعاني منها المجتمع المغربي بالخصوص، أولا الماء كعنصر أساسي للحياة، ثم الخبز في إشارة إلى العجينة والطحين، ثم صوت الراديو الذي يتحدث عن الكراء وأزمة السكن.

ولعل هذا المعطى الاجتماعي في الفيلم هو ما جعل "سامية" وهي على وشك الوضع تطرق باب عبلة لمساعدتها والعطف عليها وإطعامها واستضافتها والبحث لها عن عمل أو مأوى في غياب فضاء يؤويها حتى تضع حملها بعد أن أصبح في مرحلة متقدمة، وفي ذلك مرآة حقيقية تحكي قصصا مجتمعية وإنسانية تريد التوزاني أن تقدمها في فليمها الجديد.

وفي هذا الصدد تؤكد التوزاني أن الفيلم لا يحكي قصص العابرين والمشردين الآتين من الأرياف إلى المدينة، بل يحكي قصص الإنسان مهما كانت خطيئته، كما يحكي مشاعر بني آدم في لحظات ضعف وغدر، وأيضا في لحظات التضامن والحميمية والأحلام.

يلمس المتلقي وجها آخر من حياة كل واحدة من المرأتين

قيم الحرية والحياة

وتضيف التوزاني أن الفيلم استنادا إلى عنوانه ورمزية الاسم، هو في العمق يتحدث عن الإنسان في علاقته بالإنسان، وعن الرجل في علاقته بالمرأة مهما كان مغيّبا وصوريا، ومهما كانت بطلات الفيلم إناثا، وبالتالي يكون "آدم" تعبيرا صريحا عن آدمية بني البشر، وهو الأمر الذي جعل الكاميرا والصورة تساهمان في حماية تلك العلاقة الإنسانية والعاطفية بين بطلات وشخوص الفيلم.

وبهذا يكون المتلقي أمام فيلم يمجد قيم الحرية والحياة، وكذلك العادات والتقاليد، في طرح قضية مجتمعية يمكن أن تقع في أي بلد من هذا الكوكب، وكيف سيتقبلها المجتمع المحافظ، وهذا يبرز بشكل جلي في الحوار العميق الذي يدور بين سامية وعبلة خوفا من كلام الناس والفضيحة ونظرتهم الدونية.

الحوار الصادم في بداية الفيلم والذي يدور بين المرأتين، يصل ذروته حين تسأل سامية عبلة إن كانت تريد مساعدتها في العجن لأنها تتقن ذلك، لكن عبلة ترد عليها أنها تفكر فقط في الرحيل، لكن نظرة الحامل الشاحبة تتوجه إلى الجهة الأخرى كفضاء خارجي، في إحالة ضمنية إلى الشارع، وما قد ينتظرها من اعتداء وإهانة في تلك المدينة المتناقضة التي تشبه "الغول".

برعت المخرجة مريم التوزاني في تلك المشاهد التي تتوق فيها سامية بحزن إلى المكوث في المنزل

نيران الوحدة والفراق

برعت المخرجة في تلك المشاهد التي تتوق فيها سامية بحزن إلى المكوث في المنزل، برعت في سرد المشاعر الداخلية والحميمة بين المرأتين، وقد تأتّى ذلك من خلال الصوت المبحوح والنظرات العميقة التي تحمل الكثير من الأمل والاستعطاف، وهذا ليس بالأمر الهين لدى التوزاني حين تجعل الكاميرا أكثر سخاء، وهي تقف كثيرا عند تلك اللحظات.

ومن هنا نستنبط الاختلاف العميق بين الحكي عبر الكتابة/السيناريو وبين الحكي عبر الصورة وما تحفل به من دقة ووقوف متأن ومنح الوقت الكافي للشخوص للحوار والتواصل، وهذا ما نجحت فيه التوزاني إلى حد ما، وهي تنقل حكي الكتابة بطريقة بديعة إلى الحكي عبر الصورة التي نقلت الكثير من المشاهد الحميمة، خاصة بين عبلة وسامية ووردة، عبر العيون الذابلة والسحنات الفاقعة والنظرات التائهة، وعبر الصمت المعبر أحيانا.

وعبر مختلف مشاهد الفيلم، كانت الكاميرا تنتقل بدقة متناهية هنا وهناك، ليس فقط من أجل التحرك وتغيير المواقع بطريقة اعتباطية، بل إن الكاميرا كانت جزءا من العملية الإبداعية برمتها، كانت تحمي تلك المشاعر الجياشة والحميمة التي تجمع المرأتين وهما في صراعهما الدرامي بحثا عن الحقيقة والخلاص وبر الأمان الذي يحفظ إنسانية "آدم" في هذا العالم، وتغيير نمط الحياة التي تسير على إيقاع رتيب وممل، إلى نمط أكثر حيوية وانفتاحا وإلى أفق التمني والحلم والفرح.

إنه إحساس قوي ومدهش، وبناء درامي حساس، تفاعل معه الجمهور بشكل لافت، بين أمين (عبلة وسامية) لكل واحدة عالمها وماضيها، الأولى عازبة تنظر مستقبلا مجهولا مع طفلها القادم، والثانية اكتوت بنيران الوحدة والفراق وتعيش واقعا قاسيا بعد أن أغلقت الباب على قلبها بقفل صدئ دون رحمة، إنه إحساس التقطته عين الكاميرا في أبسط الأشياء من تصرفات وحركات وسكنات، وحتى في لحظات التيه والصمت.

وما يجعل هذا الفيلم مثيرا هو أن المخرجة صنعت الحدث المفرح انطلاقا من مكان مغلق له شاعرية خاصة، دون الحاجة إلى فضاءات أكثر اتساعا، وقد تضيع معها الفرجة السينمائية التي تبتغيها للمتلقي، حيث الغرفة شبه المغلقة كانت كافية لصنع كل هذا الجمال السينمائي.

كما يُلاحظ أن المخرجة صنعت فيلمها فقط من خمس شخصيات، فكان لهذا التركيز الفني نوع من الكثافة الشعرية في تجسيد أدوار مقنعة للغاية، وبالتالي كان الحكي الفيلمي أكثر عمقا وقوة وتركيزا، وكان الممثلون قريبون من بعضهم البعض، وكأن المخرجة تريد أن تعزلهم عن العالم الخارجي حتى لا يتضرروا أكثر.

وبالرغم من هيمنة العنصر النسائي في الفيلم والذي يمكن أن نعتبره فيلما نسائيا بامتياز، فإن الرجل حاضر ويطرح إشكالية الرجل في المجتمع؛ الرجل الخائن والعاشق، والرجل الحاضر الغائب المتمثل في زوجة الأرملة عبلة الراحل، إضافة إلى الرجل "آدم" الوافد الجديد، والسليماني الذي لعب دوره عزيز الحطاب، لكن إن غاب الرجل بشكل مباشر فإن الإنسان موجود بحكم أن الرجل والمرأة إنسان، والفيلم يحكي قصة إنسانية.

هكذا يجد المتلقي نفسه في مجمل مشاهد الفيلم أمام مشاهد متناقضة وصادمة في الوقت ذاته، منذ انطلاق أولى المشاهد، حيث تمشي سامية المثقلة بحمل غير مرغوب فيه، ترفض الإجهاض، وهي تدق أبواب المدينة العتيقة بالدار البيضاء بحثا عن عمل وضمان حياة لجنينها.

في الفيلم تتصدى عبلة لتحرش الرجل الذي يحمل لها مؤونة تجارتها، بدعوى أنه يريد الزواج، كما أنها في البدء لم تستوعب استضافة مثل تلك الحالات، لكن إصرار الضيفة وطفلتها "وردة" غلب صمودها لتقبلها في الأخير ضيفة ومساعدة لها في تجارتها التي انتعشت بشكل كبير.

لبنى أزبال في مشهد من فيلم "آدم"

قهر الأنوثة

ويلمس المتلقي وجها آخر من حياة كل واحدة من المرأتين، فلكل عذابها الخاص، سامية الحزينة التي تشعر بالخزي والعار من حمل غير مشروع تريد أن تتخلص من وليدها في أقرب وقت ممكن والبحث عمن يتبناه أو تتركه في مركز للأيتام، وعبلة التي تتخلى بعد وفاة زوجها عن زينة الحياة، متجهمة دائمة ويائسة من هذا العالم، وتتصدى لكل من يقترب منها عاطفيا، وهي تقهر أنوثتها بشكل فظيع.

عبلة المسكينة التي بدأت تجارتها تنتعش بمساعدة سامية، تعمل جاهدة على إقناع سامية بعدم التخلي عن وليدها مهما كانت الظروف، وقد تجسد ذلك في مشهد رفض سامية إرضاع المولود، لكن غريزة الأمومة تنتصر في الأخير، بينما تسعى سامية جاهدة لإقناع عبلة بنسيان الماضي وحب الحياة وفتح الباب على قلبها ليدخله النسيم، لينتهي الفيلم نهاية تنتصر لروح الأمل ومواصلة الحياة مهما كانت الجراح والمطبات.

ونجحت سامية وسط هذه الأحاسيس المتبادلة في دعم عبلة التي فارقت الابتسامة وجهها منذ وفاة زوجها، وتحقق ذلك من خلال مشهد أغنية الراحلة وردة الجزائرية الذي يذكّر عبلة بزوجها، تتهادى سامية راقصة، وتدعو عبلة لمشاركتها لكنها ترفض في البداية، ثم تستسلم لرغبة سامية الملحة، وتستجيب في الأخير لإيقاع الموسيقى، حين أصبح للحياة معنى، لتتعزز قيم الأمومة، وتهب ريح الحياة والسعادة والمستقبل.

هكذا استطاعت المخرجة والممثلة مريم التوزاني أن تطرح قضية الأمهات العازبات إلى النقاش عبر بوابة السينما، وهي من القضايا المسكوت عنها في مجتمع محافظ، ومن خلالها تطرح قضايا أخرى تهم القيم النسائية في المجتمع التي تنبني على التضامن والإنصات لنبض المشاعر، فضلا عن القيم الإنسانية النبيلة المشرعة على أفق الأمل والتفاؤل.