نقد سينمائي

السِّلفي.. كيف غيّر الإنترنت علاقتنا مع أنفسنا؟

محمد موسى

يخرج أحدهم هاتفه النقال من جيبه أو حقيبته، ثم يوجه شاشة الجهاز على وجهه، ليحدق بعدها في انعكاس صورته عليه، قبل أن يُغير ولعدة مرات زاوية الهاتف الموجه على الوجه. غالباً ما يحتاج صاحبنا هذا لأن يُطيل أو يقصر من امتداد ذراعه التي تحمل الهاتف، أو يستعين أحياناً بعصى معدنية ليبعد الهاتف عنه، مُوسعاً كادر المشهد من حوله. بعد ذلك تبدأ عمليات تستغرق أوقاتاً قصيرة أو طويلة، وتتضمن تغييرات وتعديلات في تعابير الوجه ووضع شعر الرأس، ومقدار فتحة الفم، والأهم من كل ذلك سيكون البحث عن الابتسامة المناسبة.

هذه الطقوس التي تسبق بالعادة التقاط الصور الشخصية (سِلفي) عن طريق الهواتف المحمولة، والتي كانت وحتى قبل سنوات قليلة من دخول هذه الهواتف العاصفة إلى حياتنا؛ تُعَّد من الأمور غير الشائعة، ويُمكن أن تُصنف بالناشزة لانطوائها على هوس كبير بالذات.. هذه الطقوس تحولت اليوم إلى فعل لا يُثير الانتباه عندما يحصل في فضاءات الحياة العامة في ثقافات معظم دول العالم.

فما الذي تغير حتى صار الاهتمام بالذات وصورتها الخارجية وعلى هذا النحو الذي يقترب من الهوس جزءاً من الشخصية البشرية المعاصرة؟

هذا السؤال وغيره هو محور الفيلم التسجيلي "أنا وسِلفي وأنا مع راين غاندر" (Me, My Selfie and I with Ryan Gander) والذي عرضته القناة البريطانية الرابعة (بي بي سي 4) كجزء من احتفال المؤسسة الإعلامية البريطانية بمرور ثلاثين عاماً على اكتشاف شبكة الإنترنت.

وهي الشبكة الإلكترونية التي ربطت -على نحو لم يعرفه التاريخ- البشر مع بعضهم، ومنحت كل شخص منصة أو نافذة يمكن أن يصل منها إلى ملايين البشر حول العالم. كما أربكت هذه الشبكة علاقتنا مع ذواتنا، إذ لم يحصل في تاريخ البشرية أن يتم الاحتفاء بالذات كقيمة سامية وتجارية على حد سواء كما هو الحال في السنوات الأخيرة.

رحلة على كرسي متحرك

يقود الرحلة في الفيلم التسجيلي البريطاني الفنان المفاهيمي البريطاني راين غاندر، والذي يتنقل برشاقة كبيرة على كرسيه المتحرك في بريطانيا، ويذهب إلى الولايات المتحدة مكان ولادة الإنترنت والبلد الذي يجمع اليوم مجموعة من أكثر ظواهر الشبكة العنكبوتية غرابة وتطرفاً.

وقبل أن يبدأ الفنان البريطاني حواراته مع ضيوفه يأخذ صورة سِلفي معهم. وتنقل مشاهد السِلفي المشتركة هذه المُشاهد سريعاً إلى عوالم الفيلم وأسئلة الذات في عصرنا الحالي، كما أن تكرار هذه المشاهد وتركيبتها يمنحان فرصة من أجل التمعن في غرابة طقوس السِلفي، وبالخصوص الاستسلام الذي يسبق بثواني قليلة أخذ الصور، وتلك النظرة الجامدة التي يوجهها أبطال الصور تلك إلى الكاميرات الصغيرة الموجودة في هواتفهم.

يعترف غاندر بأنه من المدمنين على الصور ومواقع التواصل الاجتماعي

السِلفي.. تاريخ الصور الشخصية

يعترف غاندر بأنه من المدمنين على الصور ومواقع التواصل الاجتماعي، ويكشف أن محاولاته السابقة للابتعاد عن موقع إنستغرام باءت بالفشل، وبأنه حتى هذا اليوم يُحاول دون نجاح أن يفهم سرّ تعلقه بهذا الموقع الذي يحتفل بالصور الفوتوغرافية.

وكما يملك الفنان البريطاني علاقة مُعقدة مع السِلفي، فهو من جهة يُواجه صعوبة في تقبل أن يتحول فعل أخذ السِلفي نفسه والهوس المعاصر بصورنا الشخصية إلى سلوك بشري طبيعي، ومن جهة أخرى يدرك غاندر الأبواب التي فتحها الإنترنت بكل تفصيلاته للإنسانية حول العالم، وكيف أن الشبكة سهّلت وصول مواهب عديدة إلى الاهتمام العالمي والتي لم تكن لتصل بوجود القنوات الإعلامية والفنية التقليدية التي سبقت حقبة الإنترنت.

يعود الفنان البريطاني إلى تاريخ الفن باحثاً عن نماذج من رسومات لما يُعرف باللوحات الشخصية (self portrait) التي كان يرسمها بعض الفنانين لأنفسهم، ويحلل هذه الرسومات. يعثر غاندر على أول الصور الفوتوغرافية التي حُفظت من بداية عقد الثلاثينيات من القرن الماضي، والتي تُظهر رجلا يُحدق بارتباك وخجل واضحين في الصورة التي التقطها بنفسه.

هناك في متحف الصور ذاته الذي زاره الفنان البريطاني؛ صورة من الولايات المتحدة لأصدقاء من الحقبة التاريخية ذاتها للصورة السابقة وهم يصورون أنفسهم، حيث كان يحمل أحدهم الكاميرا الخشبية الثقيلة ليصور نفسه مع أصدقائه، والذين كانوا يقفون على سطح بناية عالية.

يبدأ غاندر أول حواراته مع فنانة سيرك بريطانية تعرضت قبل سنوات لمأساة

نجمة بوجهٍ محروق

يبدأ غاندر أول حواراته مع فنانة سيرك بريطانية تعرضت قبل سنوات لمأساة، وذلك عندما احترق وجهها أثناء تأديتها لوصلة ترفيهية تلعب فيها مع النار والزيت. فقد كانت هذه الفنانة نشطة على موقع إنستغرام قبل الحادثة، وكان يتبعها بضع مئات من المتابعين على موقع الصور الشهير ذاك، لكنها تحولت إلى ظاهرة على الموقع ومصدراً للإلهام، وذلك بعد أن قررت نشر صور وجهها الذي شوهته الحادثة على موقع التواصل الاجتماعي.

تتذكر هذه الفنانة -والدموع تملأ وجهها- الأيام التي سبقت نشر صور وجهها المحترق، ومقدار المصاعب النفسية والمخاوف التي عانتها عندما قررت أن تخبر العالم بما حصل لها، وهي التي كانت فخورة بوجهها الجميل قبل الحادثة.

بيد أن ردود الأفعال الإيجابية التي تلقتها، والرسائل التي وصلت لها مع مجهولين حول العالم والذين كشفوا عن قصص مشابهة حصلت لهم، بدّلت من طريقة تعاملها مع موقع التواصل الاجتماعي، حيث تعتبره اليوم وسيلة لمساعدة الآخرين.

يستطلع الفيلم التسجيلي آراء مشاهير وشخصيات خاصة

هروب من الحضارة

يستطلع الفيلم التسجيلي آراء مشاهير وشخصيات خاصة، وينطلق من صور السِلفي ليقارب بعدها العلاقات التفاعلية بين الذات وانعكاساتها على شبكة الإنترنت.

ومن الذين قابلهم البرنامج كوميدي بريطاني يتابعه مئات الآلاف على موقع تويتر، ويعترف هذا الكوميدي أن الفرح بشعبية المنشورات التي ينشرها يقارب ما يحصل عليه من تصفيق من الجمهور الفعلي على خشبة المسرح، وبأن مواقع التواصل الاجتماعي لفنان مثله ليست فقط منصة للترويج لأعمالهم، بل تكاد تتحول إلى حاجة وجزء من علاقتهم بفنهم وجمهورهم.

ويلتقي غاندر امرأة بريطانية قررت قبل سنوات أن تترك عملها المتطلب وتلجأ إلى الطبيعة حيث تعيش في منطقة نائية كثيراً. وتشترط هذه السيدة من مقدم البرنامج أن يترك هاتفه في السيارة قبل لقائها، وهو الأمر الذي لم يفعله الفنان البريطاني منذ سنوات، إذ يكشف أن هاتفه كان دائماً قريباً منه، وأنه من النادر جداً أن يبقى ساعة واحدة دون وجود الهاتف في الجوار.

تمثل المرأة البريطانية التي اختارت أن تعيش في منطقة من دون خدمات عصرية، مجموعة الأفكار التي تدعو إلى نقد الثورة التكنولوجية والآثار التي خلفتها عند البشرية، والعودة إلى الطبيعة والأرض وقبل فوات الأوان.

هوس بمشاهير الإنترنت

كما يُقابل الفيلم بريطانياً شاباً يملك قناة شعبية على موقع يوتيوب (جنى في عام واحد 10 ملايين جنيه إسترليني من يوتيوب بسبب نجاح قناته). ويشكل نجاح هذا الشاب جانباً اقتصادياً غير مسبوق للاحتفاء بالذات، فجلّ ما يقوم به هذا المدون هو الحديث للكاميرا، وغالباً ما يكون حديثه عن حياته الخاصة وما يواجهه في حياته اليومية، وهذا بالتحديد ما يجذب الملايين لمتابعة قناته كل يوم.

ويسجل الفيلم لقاءً طويلاً بين غاندر وبين الشاب البريطاني أثناء لعب الأخير لإحدى الألعاب الإلكترونية، وكان الشاب ينقل اللقاء بشكل مباشر على قناته، إذ إن هناك جمهوراً واسعاً لا يمانع أن يتفرج على الشاب البريطاني وهو يلعب ألعابا إلكترونية وحده.

يُقابل الفيلم بريطانياً شاباً يملك قناة شعبية على موقع يوتيوب

أجهزة تحت الجلد وإحياء الموتى

في الشق الأمريكي من العمل التسجيلي، يلتقي غاندر صحفياً أمريكياً متخصصا في التكنولوجيا. قرر هذا الصحفي أن يأخذ خطوة مجنونة عندما زرع مجسّات إلكترونية تحت جلده ترتبط عن بعد بعدة أجهزة إلكترونية، كما تسهل هذه المجسات أو الصفائح الإلكترونية تفاصيل صغيرة في الحياة اليومية، فنراها مثلا تفتح قفل الباب للبيت الذي يعيش فيه هذا الصحفي.

يُقابل الرجل الأمريكي شكوك غاندر ونقده بهدوء كبير، فهو يثق في أن العلم يسير باتجاه إدخال التكنولوجيا في الجسم البشري، وأن الإنسان بعد نصف قرن فقط من الآن سيستعيد زمننا هذا بكثير من التعجب والتساؤلات على شاكلة: "كيف عاش البشر وقتها من دون هذه الأجهزة التي تركب داخل الجسم؟". فقد اعتبر الصحفي الأمريكي أن هذه الأجهزة هي الخطوة القادمة للبشرية للوصول إلى "الإنسان الخارق" القادر على مواجهة ظروف الحياة على الكوكب، وأيضاً على التصدي للأمراض العادية أو الجديدة التي ستصيب البشرية في المستقبل.

تزداد قتامة الفيلم التسجيلي عندما يصل إلى المؤسسة الأمريكية التي تجمد رؤوس موتى بطلب من أهاليهم، على أمل أن يتمكن الطب والعلم في يوم من الأيام أن يُعيد هؤلاء إلى الحياة.

يشرح مدير المؤسسة بحيادية وتفصيل ما يقوم به، ويأخذ كاميرا الفيلم إلى غرفة العمليات حيث تُقطع الرؤوس، كما يصور الفيلم الثلاجات التي تحفظ رؤوس الموتى لعشرات السنين (تكلف هذه العمليات مبالغ طائلة يدفعها الأهالي).

وكحال الصحفي الأمريكي، يواجه مدير مؤسسة تجميد الموتى نقدَ واستغراب غاندر بثقة واضحة، ويزعم بأن ما تقوم به مؤسسته يندرج ضمن الأعمال التي ستكون طبيعية في غضون عقود قليلة، وأن أصحاب الأفكار العملاقة التي غيّرت حياتنا إلى الأبد واجهوا في زمانهم نقداً عنيفاً لا يقل حدة عن الذي تواجهه مؤسسته. ويتابع أنه يكفي أن تضع واحدا من الاكتشافات العظيمة التي وقعت في عصر الإنترنت ضمن السياقات التاريخية والاجتماعية لعصر قريب سابق، حتى يتبدى المديات التي وصلتها البشرية على كثير من الأصعدة.

ينطلق الفيلم من صور السِلفي ليقارب بعدها العلاقات التفاعلية بين الذات وانعكاساتها على شبكة الإنترنت

فرويد ومواقع التواصل

يعي غاندر تعقيد المهمة التي ينطوي عليها تحليل علاقتنا مع الذات في عصر الإنترنت، بيد أنه تفلت منه أحياناً أحكام متعجلة، كما حدث في رحلته إلى الولايات المتحدة. فقد سبقت مُثله الأخلاقية وما يراه طبيعياً مهنية المقدم التلفزيوني الذي يجب أن يدقق كثيراً قبل أن يصدر أحكاماً سهلة.

ومع ذلك يجتهد الفنان البريطاني كي يبقى تلقائياً طوال فترة الفيلم، فتراه يمزح ويتحدث على سجيته، وكما يفعل في الفيديوهات التي ينشرها على صفحته في موقع التواصل الاجتماعي. كما يسخر غاندر من نفسه ومن صراعه مع الإنترنت، وهو ما يعكس صراعاً ذا أبعاد إنسانية واسعة بين الإنسان والتكنولوجيا، ومازال هذا الصراع يُقلق البشرية منذ بداية الثورة الصناعية وحتى اليوم.

ولعل أكثر فقرات فيلم "أنا وسِلفي وأنا مع راين غاندر" إيحاءً، هي تلك المشاهد التي صورها في متحف رائد علم النفس الحديث سيغموند فرويد، حيث استعاد غاندر من هناك إنجازات فرويد ومدرسته الخاصة المؤثرة في التحليل النفسي، وربطها بما يجري اليوم على مواقع التواصل الاجتماعي. ويمكن لفرويد أو تلامذته معرفة الكثير عن النفس البشرية بدراسة ما ننشر على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث يمكن تحليل تلك المنشورات والصور والوصول إلى خلاصات تُعين على فهم هواجس وقلق الإنسان المُعاصر.