نقد سينمائي

"مجانين حَلَب".. مشفى وحيد يحكي قصة دمار مدينة سورية

 

قيس قاسم

مشفى وحيد في مدينة محاصرة، جزء منها يتعرض لقصف جوي ومدفعي دون رحمة، وفي كل لحظة كان يُنقل للمشفى مئات الجرحى والمصابين. فهل ينبغي ترك فعل الإبادة الذي يتعرض إليه سكان ذلك المكان دون توثيق؟

هذا السؤال مهد لإنجاز وثائقي ينقل اللحظات الأشد دموية لمدينة حلب، يوم قرر النظام تسوية الجانب الشرقي منها مع ساكنيه بالأرض.

وبعد مشهد يُظهِر خراب مدينة عند الغروب، وفي تفاصيله يبدو أقرب إلى لوحة تشكيلية رُسمت بفرشاة صاحَبَها صراخ بشر موجوعين، تلاه مشهد آخر مُصَور بكاميرا محمولة نقل اللحظات القليلة التي كان يخرج فيها سكان المدينة مع أطفالهم من مخابئهم وكأنهم يريدون بذلك الفعل إثبات وجودهم كأحياء أكثر منه رغبة في التمتع بلحظة سلام. وهنا تقترح المخرجة لينا سنجاب تسجيل يوميات مدير "مشفى القدس" الطبيب حمزة الخطيب، وما شهدته المدينة من دمار عام 2016.

نزف يغطي الشاشة

مرافقة طبيب مشفى وحيد في مدينة تحت القصف يعني أنه لا مفرّ من نقل مآسي بشر تتمزق أجسادهم وتنزف دماؤهم أمام الكاميرا. هذا ما كانت تدركه السينمائية بوضوح، لهذا نوّهت مُشاهِد فيلمها بوجود لقطات ومشاهد مؤلمة فيه.

طيلة زمن الفيلم يطغى الصراخ ولون الدم على الشاشة، ولشدة قساوتها تطرح سؤالا عن قدرة البشر، وكيف لكائن أن يتحمل كل ذلك الضغط الهائل والمسؤولية المهنية والأخلاقية؟

هذا السؤال كان موجها بالأساس للخطيب والعاملين معه، فهؤلاء هم آخر الشهود على تراجيدية سورية لولا الكاميرا لما رآها العالم، ولولا وجودهم في ذلك المكان لما كان بالإمكان نقل قصص صمود سكان حلب وإصرارهم على البقاء في مدينتهم، ليبدو قرارهم في نهاية المطاف أشبه بـ"الجنون". ومن هنا جاء عنوان الوثائقي "مجانين حلب".

مرافقة طبيب مشفى وحيد في مدينة تحت القصف يعني أنه لا مفرّ من نقل مآسي بشر تتمزق أجسادهم وتنزف دماؤهم أمام الكاميرا

مشفى القدس.. الأمل الوحيد

الطبيب حمزة واحد منهم، فهو يتمتع بهدوء وقابلية على نقل أفكاره وهو في أشد اللحظات انشغالا في محاولاته إنقاذ حياة بعض الجرحى. يُخبر المخرجة لينا سنجاب عن علاقته بحلب التي يعرفها جيدا، ويعرف ما عاشته خلال سنوات الحصار والقصف، وكيف أصبح مشفاه "مشفى القدس" الملاذ الأخير والوحيد لسكانها بعد أن عطّل القصف بقية مشافيهم ومستوصفاتهم، حيث تحول ذلك المكان إلى أمل أخير لبقية حياة مرتجاة، فهذه المسؤولية لشدتها كانت تثقل كاهله وكاهل كل العاملين والمتطوعين معه.

يوزّع حمزة يومه بين العمل الإداري وبين قسم الإسعاف الذي يعمل فيه بجوار جراحِين مختصين. ومع مرور الوقت تقترب الكاميرا منهم وتكشف عن دواخلهم، لينتقل التركيز الشديد عليه تدريجيا إلى بقية تشبهه، فيتوسع نصّ لينا سنجاب ويبتعد عنه طابع البورتريه الشخصي، فالشخصيات "المجنونة" كلها وأثناء مرورها بحقول الموت تصبح متساوية في قيمتها.

يُتيح مكث الكاميرا في المشفى التعرف على الممرضة المتفائلة الطيبة "أم إبراهيم"، والتي قررت ترك عائلتها في تركيا والعودة لمساعدة سكان مدينتها، حيث فضَّلت العودة الخطيرة على العيش في أمان بعيدا عن المكان الذي أحبته وسمّته "وطنا".

لا تُبقي صانعة الفيلم كاميرتها طيلة الوقت داخل المشفى، بل تخرج لتنقل بقايا حياة تعكس أجواء الدمار

تزوير التاريخ

في حوار للمخرجة مع أحد الجراحِين وهو "أبو رسول"، يبدو أن كتابة الحقيقة والتوثيق غير كافيين بالنسبة إليه لترسيخ قناعة كاملة عنده بجدواها، فهو يخاف أن يكون الأمر من غير نفع أو جدوى بسبب قدرة النظام على التزوير والكذب كما فعل من قبل مرارا وتكرارا، فيغدو فعل المخرجة لينا وفعل المصور حبق دون معنى.

التشكيك نابع من بشاعة ما يراه الجرّاح يوميا، ومن صمت العالم لما يجري حوله، وتصديقهم ادّعاء النظام بأن معارضيه كلهم إرهابيون وإخوان مسلمون.

أما بالنسبة لها فالتصوير فعل معاندة للحاصل، وأمل في إطلاع العالم ولو بعد حين على مجازر بشرية حدثت ذات يوم في حلب، ولا بدّ من تعرية وفضح مرتكبيها.

"مجانين حلب" يؤدي تلك الوظيفة بشجاعة، متنازلا –اضطرارا- عن جماليات ضرورية لصنعة السينما، مفضلا عليها التوثيق والشهادة الحية، تاركا للتوليف (نبيل محشي) سدّ ما يمكن سده من نواقص اشتغال سينمائي مكتمل.

المخرجة السورية لينا سنجاب

تآزر رغم الألم

لا تُبقي صانعة الفيلم كاميرتها طيلة الوقت داخل المشفى، بل تخرج لتنقل بقايا حياة تعكس أجواء الدمار، حيث لم يبقَ من المدينة ركن سالم، لقد هدمتها القنابل وسوّتها بالأرض.

أما في الخارج فيمكن مقابلة مقاتلين يتمترسون في زوايا المدينة، ويمكن تتبع حركة سيارات الإسعاف وهي تنقل المصابين بعد كل هجوم مخيف في شدته، وتقابل بشرا يتطوعون لمساعدة إخوانهم دون تردد.

يمكن بسهولة التقاط روح التآزر والتضامن الحقيقي بينهم، فهذا يولد تماسكا تعجز القنابل والطائرات عن تفكيكه، حيث ينقل الناس والمتطوعون كل ما يُفيد من بيوت مهجورة إلى آخرين بحاجة إليها، كما يتطوع أطباء وممرضون للمستشفى.

المشكلة الأكبر في خارج المشفى وداخله هي شُحّ المواد الطبية والغذاء، لكن وسط كل ذلك نرى أطفالا يتبرعون لجمع الأخشاب من بين الأنقاض لتوفير بعض الدفء لهم ولبقية جيرانهم، فالعلاقة بين المشفى وخارجه وثيقة.

في لحظات الهدوء يخرج الأطباء والعاملون في مظاهرات احتجاجية إلى جانب أهاليهم رغم حصارهم، ربما لقناعتهم بأنها غير كافية لتحريك الضمائر، أو لتجبر النظام على إعادة النظر بقرار إبادتهم.

مع مرور الوقت تتغير خرائط الصمود ويحلّ محلها ما هو منتظر؛ الخروج من المدينة

أطفال وأمهات.. أكثر المبكيات

ليس ضغط العمل المتواصل هو وحده ما يرهق الأطباء، بل أكثر منه الفشل في إنقاذ جريح من الموت، عندها يشعرون بالأسى والعجز.

لا يفكر الأطباء والعاملون في مشفى القدس بأنفسهم، بل بالآخرين الذي نذروا حياتهم من أجلهم. المؤلم تركيزهم على اللحظة الآنية دون التفكير بالمستقبل، فما يعيشونه يقطع عليهم الحلم والتفكير باليوم التالي، أما الخوف فلا مكان له في قلوبهم.

المؤثر في مشهد الإبادة هو الأطفال، فهؤلاء لهم تأثير مدمر على الجميع خاصة حين تتعرض أجسادهم الغضّة للتمزيق. موت الأطفال محزن واندفاعهم العفوي أثناء القصف لحماية الأصغر منهم يثير الحنق على من يقبل بقتلهم دون شفقة، أما الأمهات الثكالى فيكفي مشهدٌ واحدٌ ينقل مأساتهن على فراق من يحببن لِلَعن السلطات الدكتاتورية في كل مكان.

كل ذلك يثيره "جنون حلب" في نفوس مشاهديه دون قصد إبكائهم وكسب عطفهم، بقدر ما يُراد به تحفزيهم للتفكير بالسلوك السلطوي الذي لا يتوانى عن فعل كل شيء، ولا يتردد لحظة عن قتل البشر وهدم الحجز دون رحمة ولا شفقة.

في لحظات الهدوء يخرج الأطباء والعاملون في مظاهرات احتجاجية إلى جانب أهاليهم رغم حصارهم

مغادرة مُكرهة

مع مرور الوقت تتغير خرائط الصمود ويحلّ محلها ما هو منتظر؛ الخروج من المدينة، حيث يواكب الوثائقي السوري اللحظات الأخيرة التي شهدت استسلام المدينة بعد أن تهدمت كل دفاعاتها، وتواطأت قوى كبرى على إنهاء حريتها التي كسبتها بعد طول صمود.

الجزء المُحرر من حلب يشهد نهايته، ومعه يشعر الصامدون بضعفهم بعد استنفاد كل وسائل دفاعاتهم التي تمسكوا بها خلال سنوات، لكن اللحظة الحاسمة اقتربت وعليهم مغادرة المكان الذي أحبوه وكرهوا مغادرته.

مشهد نقل المدنيين والمقاتلين في باصات اصطفت في طوابير طويلة على طول الطريق تُعيد التفكير بالخسائر الكبيرة، وبخيبة آمال عظام كان لا بدّ من توثيقها، فهي جزء من مشهد خراب بلد وتدمير أحلام.

النتيجة مُتوقعة في ظلّ اختلال التوازن بين جيش دولة وبين مدنيين وبعض مقاتلين يحملون أسلحة بسيطة. المشهد كان بحاجة لتذكير جديد بأن الإبادة الحقيقة كانت لشعب أعزل، ولمدنيين لم يحملوا السلاح، ولأطفال ونساء وأطباء في آخر معقل لهم؛ مستشفى وحيد تحت الأرض.