نقد سينمائي

"مسلمون مثلنا".. ماذا تعرف عن مسلمي هولندا؟

محمد موسى

صورة تجمع ثمانية هولنديين مسلمين جمعهم التلفزيون الهولندي تحت سقف واحد لأسبوع كامل

على غرار تجربة تلفزيونية بدأت في بريطانيا، ووصلت بعدها إلى دول أوروبية وغربية أخرى؛ جمع التلفزيون الهولندي الرسمي ثمانية هولنديين مسلمين تحت سقف واحد لأسبوع كامل، وصوّر محادثاتهم ونقاشاتهم طوال تلك الفترة، كما عَرَّضَهُم لتجارب واختبارات عدة بعضها كان جدليّا واستفزازيا.

الهدف من التجربة التلفزيونية هذه هو إبراز التنوع الذي يطبع نسيج مجتمع المسلمين في هولندا، وردّ فعل على أفكار ودعوات من أحزاب أوروبية مُتطرفة تُصوّر المسلمين ككيان واحد ثابت، وتَضَعهم كلهم في سلّة المُحافظة والتشدّد وأحيانا التطرف.

يحمل البرنامج التلفزيوني الهولندي كحال البرنامج البريطاني الأصلي عنوان "مسلمون مثلنا". حيث يشير هذا العنوان إلى هدف البرنامج النهائي، وهو تبيان أن مسلمي هولندا لا يختلفون بهمومهم وتطلعاتهم عن الهولنديين الباقين، وأن "الدين الإسلامي" لا يطمس أو يستأصل شخصيات الأفراد المنتمين إليه كما تَدَّعي بعض الأفكار المتطرفة.

وكحال البرنامج البريطاني، تأخذ النسخة الهولندية من البرنامج المشتركين فيه إلى منطقة ريفية (وجميعهم قادم من مُدن كبيرة مزدحمة) لإبعادهم عن محيطهم المألوف، وتعريضهم لتجارب العيش في أمكنة صغيرة تحمل في طياتها تحديات مختلفة، خاصة في بلد مثل هولندا، حيث يعيش أغلب سكانه في الأرياف والمدن الصغيرة، وذلك على خلاف دول أخرى.

 

مسلمون.. ولكن مختلفون

تُعرِّف الحلقة الأولى من البرنامج بالمشتركين الثمانية الذين يتقاسمون بالتساوي بين الجنسين. ويبذل فريق البرنامج جهودا واضحة على صعيد التنوع بين المشتركين فيه، فمن النساء يعثر على فتاة ناجحة على موقع يوتيوب للفيديو، والتي تقدم عبر قناتها هناك نصائح عن المكياج، وهناك أيضا مسلمة مُحجبة من أصول إندونيسية، والتي ستمثل الخط المحافظ بين النساء. بينما سيمثل الهولنديات اللواتي تحولن للإسلام في عمر متأخر هولندية من أصول بيضاء، وهناك أخيرا فتاة شاذة من أب تركي وأُمّ هولندية، وهذه سيثير حضورها جدلا بين المشتركين بسبب أفكارها وميولها الجنسية.

على صعيد المشتركين الرجال، هناك شاب من أصول صومالية يعاني من مشكلة كبيرة في الرؤية بسبب مرض أصابه في صغره، حيث يملك هذا الشاب قناة شعبية على يوتيوب، ويتميز بآرائه المتشددة كثيرا، وإلى جانب الشاب الصومالي هناك شاب آخر وُلد في أفغانستان وتربطه علاقة مُعقدة مع الدين الإسلامي، وهناك الشاب التركي العربي الذي وُلد وعاش حياته كلها في هولندا وينتمي إلى الفكر الصوفي. أما آخر المشتركين الشباب فهو مغربي يعيش في بلجيكا ويمتهن الأداء الكوميدي المفرد (ستاند أب)، ويمثل الجيل الثاني للمهاجرين المغاربة الذين هاجروا إلى هولندا وبلجيكا في بدايات عقد الستينيات من القرن الماضي.

لا يكتفي البرنامج بتقديم مبسّط للمشتركين فيه، بل سيأخذ مُشاهده إلى عوالم هؤلاء المشتركين

رحلة في عوالم الشخصيات

لا يكتفي البرنامج بتقديم مبسّط للمشتركين فيه، بل سيأخذ مُشاهده إلى عوالم هؤلاء المشتركين، حيث صوّر حياتهم اليومية واختزلها في دقائق تعريفية كانت مهمة للاطلاع على حياة هؤلاء المشتركين، والتي تتنوع كثيرا. فهناك الفتاة المحجبة التي يشغلها بشكل يومي العيش حسب قواعد الإسلام الأولى، حالها كحال الشاب من الأصول الصومالية والذي يدعو إلى ضرورة وجود مكان للمسلم السلفي في هولندا. هذا في مقابل الشاب الأفغاني الذي لجأت عائلته إلى هولندا عندما كان طفلاً، وهو يعمل الآن في نادٍ ليلي، إضافة إلى الفتاة الهولندية الأصل التي تُعاني كثيرا من معارضة أهلها دخولها للإسلام.

سينطلق الجدل سريعاً، فبعد أن تم تقسيم غرف البيت الكبير بين مشتركي البرنامج سيكون موضوع النقاش الأول عن تعريف "المسلم"، فبينما اعتبر بعض المتواجدين أن ممارسة العبادات ليست أساسية في تعريف هذا المسلم؛ اعترضت الشابة ذات القناة الناجحة على يوتيوب على ذلك، إذ رأت أن المسلم يجب أن يلتزم بهذه العبادات وإلا خرج من الدين. هذه الفتاة عادت واستدركت بأنها هي نفسها لا تلتزم بجميع الفروض الدينية، إلاّ أنها تتطلع يوما ما إلى الالتزام الحرفي بها. لن يطول مقام هذه الفتاة في بيت التجربة التلفزيونية، فهي ستضطر إلى المغادرة بسبب وفاة شخص من عائلتها، ثم تعود إلى زملائها قبل نهاية التجربة بيوم واحد.

يقترح البرنامج مجموعة من الفعاليات المشتركة، على أمل أن تدفع الأخيرة المشتركين إلى مزيد من النقاشات والتفكير

فعاليات تحفز النقاش

يقترح البرنامج مجموعة من الفعاليات المشتركة، على أمل أن تدفع الأخيرة المشتركين إلى مزيد من النقاشات والتفكير، فيأخذهم إلى مزرعة هولندية للعمل هناك، وهو الأمر الذي يُثير اعتراض شابين من المجموعة، حيث يرفضان العمل دون مقابل.

هذا الأمر سيثير بدوره حفيظة مشتركتين أزعجهما كثيرا أن هذين الشابين نسيا أنهما في تجربة اجتماعية تلفزيونية، علاوة على أن العمل التطوعي يُعدّ أمرا مألوفا كثيرا في هولندا ولا ينتقص من قدر العاملين فيه.

سيزيد التوتر في المجموعة عندما يرفض الشاب من الأصول الأفغانية الدخول إلى الجامع أثناء صلاة الجمعة، حيث اعتبر أن هذا الفعل سيكون غريبا عن طبيعة حياته اليومية. هذا الشاب عاد واعترف أنه لم يجد صعوبة تُذكر في دخول الكنيسة التي زارها المشتركون.

وعندما زار المشتركون دار المسنين في القرية التي يسكنون بها، حيث يعمل هولنديون هناك بشكل تطوعي في مساعدة سكان تلك الدار؛ ساد التوافق بينهم جميعا، واتفقوا على أن الأفعال الإنسانية لا تحتاج إلى صبغات أو هويات دينية، بل إنها تشكل الأساس الأخلاقي لأيّ دين سماوي.

المشتركة من الأصول الإندونيسية التي رفضت الذهاب للمشاركة في احتفال الجنود الهولنديين

ذكريات الاستعمار الهولندي

بيد أن التصادم بين المشتركين سيقع في الحلقة الثالثة من البرنامج، وذلك عندما يقترح هذا الأخير زيارة احتفال للجنود الهولنديين الذين خدموا في إندونيسيا التي كانت مستعمرة هولندية. فقد انتفضت المشتركة من الأصول الإندونيسية على اقتراح البرنامج ورفضت الذهاب، فهي تعتبر أن ما قام به بعض هؤلاء الجنود في بلاد أجدادها يُعّد من المجازر الهولندية الرسمية التي طمرها النسيان.

يرفض مشتركون آخرون الذهاب إلى الاحتفال الرسمي، لكن الذين ذهبوا عادوا بمشاعر مختلطة، إذ إن من قابلوا من جنود مسنين كانوا طيبين كثيرا، حيث أكد هؤلاء الجنود أنهم كانوا ينفذون أوامر قادتهم العسكريين، وذلك كما يفعل معظم الجنود في العالم. كما زعم الذين تحدثوا للمشتركين في البرنامج بأنهم ساعدوا كثيرا السكان المحليين أثناء سنوات الاستعمار ولم يقتلوا أيّ شخص، وأنهم يحملون كل الوّد للناس هناك.

تتلبد الأجواء في البيت الذي يعيش فيه المشتركون، وذلك عندما تهاجم الفتاة من الأصول الإندونيسية الشاب الأفغاني الأصل

مواجهة تعكر الأجواء

تتلبد الأجواء في البيت الذي يعيش فيه المشتركون، وذلك عندما تهاجم الفتاة من الأصول الإندونيسية الشاب الأفغاني الأصل، حيث اتهمته بالارتداد عن الدين لأنه لا يؤدي الفرائض الإسلامية المعروفة.

هذا الأمر يدفع الجميع إلى التفكير في علاقة كل منهم بالدين الإسلامي، وإذا كان تقييمهم لغيرهم ينسجم مع تسامح النصوص الدينية الإسلامية أو التاريخ الإسلامي.

تعتذر الفتاة في النهاية عمّا قامت به، لكن ما خلفته في قلب الشاب لن يُنسى بسهولة على حد قوله.

سيكون الشاب الصومالي الأصل المسمى "محمد" نجم البرنامج بلا منازع

رحلة محمد.. ومقاربة الشذوذ

سيكون الشاب الصومالي الأصل المسمى "محمد" نجم البرنامج بلا منازع، فهذا الشاب الذي حصد شهرة على مواقع التواصل الاجتماعي لفصاحته وقدرته على الإقناع؛ مرّ بتغييرات كبيرة أثناء أسبوع تصوير البرنامج.

يصل محمد مُدججا بقناعات تقترب من التطرف، ويصرح منذ البداية بأنه سلفيّ التوجه، ويرفض أن يصافح النساء في البرنامج، أو أن يختلي بغرفة لوحده مع إحداهن. لكن هذا الأمر تغير مع الوقت، فقد بذل الشاب جهودا كبيرة ليتفهم الناس من حوله، كما استعان بتفسيرات متسامحة للنصوص المقدسة في التعامل مع غيره والمحيط.

كشف محمد في مشهد مؤلم كثيرا لإحدى زميلاته في البرنامج بأنه رُفض مراراً عندما كان يتقدم لخطبة فتيات مسلمات في هولندا، وذلك بسبب لون بشرته المائل إلى السواد، واتهم من رفضه بالعنصرية المغطاة. كما انتقد محمد بشدة جمعيات هولندية مسلمة كل هدفها هو تلميع اسمها وبناء مساجد جديدة، لكنها تنسى أن فعل الخير أحيانا يكون بمشاريع اجتماعية خدمية يعود نفعها على المجتمع بأسره، ويُمكن أن تترك أثرا لا يُنسى عند المسلمين وغيرهم.

وعندما يصل الحديث إلى شذوذ إحدى المشتركات؛ ينفعل الشاب الصومالي الأصل ويقول "من نحن حتى نحاسب غيرنا، الأجدر بالجميع النظر إلى أنفسهم قبل تقييم الآخرين".

يُبرز البرنامج مسلمين متنوعين، وإن كانت إدارة البرنامج فضّلت اختيار مشتركين ينتمون إلى فئة الشباب

الحضور للشباب فقط

يُبرز البرنامج مسلمين متنوعين، وإن كانت إدارة البرنامج فضّلت اختيار مشتركين ينتمون إلى فئة الشباب، حيث غاب مثلا المسلمون من فئات عمرية أكبر، والذين يمثلون مجموعة كبيرة من مسلمي هولندا، وربما يحملون أفكارا وآراء مختلفة.

كما غاب الهولنديون الجدد عن البرنامج، أي الذين لجؤوا إلى هولندا في السنوات العشر الأخيرة من الدول العربية، وخصوصا من سوريا. إذ يبدو أن البرنامج فضّل هولنديين يتكلمون اللغة الهولندية بطلاقة، وهو الأمر الذي كان يُمكن أن يكون عقبة للكثير من القادمين الجدد.

يندرج برنامج "مسلمون مثلنا" ضمن المبادرات الإعلامية التي تمنح المسلمين المتنوعين منصّة للكشف عن دواخلهم

الكشف عن دواخل المسلمين

تعصف بهولندا ومنذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001 تغييرات كبيرة لجهة علاقة الهولنديين المسلمين ببلدهم. وقد كُتب عن هذا الموضوع في الإعلام الهولندي كثيرا، كما فُسِحَ المجال أحياناً للمسلمين أنفسهم للحديث عن علاقتهم بهولندا.

ويندرج برنامج "مسلمون مثلنا" ضمن المبادرات الإعلامية التي تمنح المسلمين المتنوعين منصّة للكشف عن دواخلهم، كما وفّر أسلوب المراقبة التسجيلية الذي انتهجه البرنامج فرصة للدخول في عوالم هؤلاء المسلمين والتقرب منهم ومن هواجسهم وضعفهم، حيث تبدّى أنهم لا يختلفون كثيرا عن أمثالهم في السّن من الهولنديين.