بورتريه

الحبيب بورقيبة.. عمرٌ مديدٌ مع قليل من الإطراء وكثير من الأعداء

 

وجدي الماجري

 

ما بين ثورة تمضي وثورة تليها، تُطوى صفحة من التاريخ لتأتي صفحة أخرى. وبموجب جدل الوجود فإن معالم العالم لا تنفك تتجدد كل يوم وفق معايير التغيرات التي تحدث على مستوى العلاقات البشرية ومدى انسجامها أو تنافرها على جغرافيا الكون.

ولكن، ثمة من الثورات ما تبقى عالقة بتلابيب الذاكرة نظرا لما تخلفه من أحداث هائلة قد تبدو ميتافيزيقية خيالية لمن لم يشهدها، بينما تكون عبارة عن فيلم سينمائي كارثي وسيئ الإخراج لأولئك الذين عاصروها.

ومن يتزعم حركة ثورية أو يقودها كمن شهر سيف الحق عاليا، فإما أن يقطع به دابر الباطل أو يُقطع عنقه في محكمة العدل الإلهي. ومن ثورة الحرية والكرامة سنعود إلى الخلف قليلا ونقلب سجل الثورات التونسية ورقة ورقة لنصل إلى فترة حكم الرئيس السابق الحبيب بورقيبة الملقب لدى أتباعه وزبانيته بـ"الزعيم" و"المجاهد الأكبر"، في حين بقيت ألقابه المثيرة للجدل غائبة عن القاموس السياسي حاضرة في القاموس الأدبي لنخبة من المفكرين أمثال الصافي سعيد الذي خاض في سيرته وأصدر "بورقيبة.. سيرة شبه محرمة"، وهو الكتاب الذي لقي رواجا كبيرا حيث يعد اليوم مرجعا أساسيا للباحثين في مسيرة أول رئيس للجمهورية التونسية الحديثة.

تأثرت السياسة الفكرية لبورقيبة بالرئيس التركي مصطفى كمال المشهور بأتاتورك، أي أبو الأتراك. وبعد فترة حكم استمرت نحو ثلاثين سنة توفي الرئيس الحبيب بورقيبة في قصره بالمنستير وذلك بعد وضعه تحت الإقامة الجبرية من قبل وزيره الأول زين العابدين بن علي.

 

من ماتيلد إلى الماجدة وسيلة

في 3 أغسطس/آب 1903 ولد الحبيب بورقيبة في منزل أمام ساحة 3 أوت بمدينة المنستير الساحلية. ينتمي إلى عائلة من الطبقة المتوسطة، إذ كان أبوه ضابطا متقاعدا في حرس الباي آنذاك (الباي هو الملك حيث كانت تونس تتبع النظام الملكي)، وكان صغيرَ العائلة وابنَها الثامن.

درس ثانويته بالمعهد الصادقي ثم انتقل إلى معهد كارنو بتونس. وعندما نال شهادة البكالوريا، سافر إلى باريس سنة 1924 وانخرط في كلية الحقوق والعلوم السياسية، وحصل على الإجازة في 1927 التي مكنته من مباشرة مهنة المحاماة فور عودته إلى تونس.

تزوج في أغسطس/آب 1927 من الفرنسية ماتيلد لوران أرملة أحد الضباط الفرنسين الذين لقوا مصرعهم في الحرب العالمية الأولى، وكان أنجب منها ابنه البكر والوحيد قبل زواجهما بشهور. ثم تزوج مرة أخرى من الثائرة السياسية التونسية وسيلة بن عمار في 12 أبريل/نيسان 1962. وطيلة فترة زواجهما عُرفت وسيلة بلقب الماجدة، لكن سرعان ما سحب منها هذا المجد إثر انفصالهما سنة 1986، فقامت بترك تراب الوطن والتحقت بقطار الغربة لتعيش فترة لا باس بها في باريس.

الرئيس التركي مصطفى كمال المشهور "بأتاتورك"، والذي تأثر بورقيبة بسياسته الفكرية

 

نضاله السياسي.. من السجن إلى الزعامة

اقتحم الحبيب بورقيبة عالم السياسة من باب الحزب الحر الدستوري بقيادة الشيخ عبد العزيز الثعالبي سنة 1933، ثم أسس الحزب الدستوري الجديد في 2 مارس/آذار 1934. شهد هذا الحزب تحديثات بفعل التقدم في الزمن، إذ سمي فيما بعد بالحزب الاشتراكي الديمقراطي ثم تحول إلى التجمع الدستوري الديمقراطي في عهد المخلوع زين العابدين بن علي.

ولم تكن علاقة بورقيبة بسلطات الاستعمار الفرنسي جيدة في البداية، بل كانت متوترة جدا جراء نشاطه ضد المستعمر، فقد تم اعتقاله في 3 سبتمبر/أيلول 1934 وعزله في أقصى الجنوب التونسي، ولم يطلق سراحه إلا في مايو/أيار 1936. بعد ذلك سافر بورقيبة إلى فرنسا، ولم يلبث هناك كثيرا حتى اعتُقل مرة أخرى في 10 أبريل/نيسان 1938 إثر مظاهرة شعبية قمعتها الشرطة الفرنسية بمنتهى القسوة والصرامة في 8 و9 أبريل/نيسان 1938. ثم تحول من سجن مرسيليا إلى سجن ليون ثم إلى حصن "سان نيكولا" حيث وجدته القوات الألمانية فقامت بنقله إلى نيس فروما. ومن ثم أعيد إلى تونس في 7 أبريل/نيسان 1943.

وفي 23 مارس/آذار 1945، قرر بورقيبة السفر إلى القاهرة لتكون مكان منفاه الاختياري، ثم عاد من جديد إلى فرنسا ليقدم مشروع إصلاحات للحكومة الفرنسية، وبعد ذلك تجول في عدد من البلدان من أجل التعريف بالقضية التونسية منها القاهرة والهند وإندونيسيا وإيطاليا وبريطانيا والولايات المتحدة والمغرب.

وعندما عاد إلى تونس، فجر الحبيب بورقيبة قنبلة لفظية حينما أعلن عن عدم ثقته بالفرنسيين في 2 يناير/كانون الثاني 1952. وبعد أيام معدودة بدأت أزمة فرنسا وتونس الحقيقية، واندلعت الثورة المسلحة التونسية في 18 يناير/كانون الثاني 1952. وكان أمر اعتقاله رفقة زملائه في الحزب أمرا مسلما به، فقد كانت لفرنسا القوة والأسبقية في النفوذ والسلطة.

وانقضت ثلاث سنوات من السجن حتى جاء يوم تقبل فيه السلطات الفرنسية بمفاوضة الحبيب بورقيبة. وبعد جلسة سرية عاد بورقيبة إلى تونس في 1 يونيو/حزيران 1955 واستقبله الشعب بحفاوة والتفّت الجماهير حوله. ثم جاء الحدث المنتظر بفارغ الصبر ونالت تونس استقلالها الداخلي إثر معاهدة 3 يونيو/حزيران 1955 التي وقعتها حكومة منداس فرانس أخيرا.

ولكن فرحة الاستقلال لم تكتمل عند نخبة من المثقفين والسياسيين وقتها، فقد اعتبروا أن هذا الاستقلال ناقص وغير مشذوب وحتى يكتمل يجب إلغاء دور الحكومة الفرنسية في التدخل في الشؤون العامة والخاصة لسيادة تونس نهائيا، وذلك لا يكون إلا بمواصلة النضال السلمي والعسكري. وهذه المعاهدة التي عارضها الزعيم صالح بن يوسف واعتبرها تقهقرا في مسار حركة التحرير نحو الخلف، ساهمت في نشأة الصراع "البورقيبي اليوسفي"، كما وجه له خصومه السياسيون اتهامات شديدة الوطأة منها التهاون والتخاذل والتحالف مع العدو.

وفي 20 مارس/آذار 1956، وقعت فرنسا البروتوكول الذي أقر باستقلال تونس الكامل وبداية سيادة الدولة.

 

بناء الدولة الحديثة

إثر حصول تونس على الاستقلال عجّلت الدولة بتطبيق مبدأ الدستور، إذ صدر أمر من الباي (أي الملك) بإنشاء المجلس القومي التأسيسي يوم 29 ديسمبر/كانون الأول 1955، وتتمثل مهمته في إعداد دستور البلاد.

وفي يوم 25 مارس/آذار 1956 أُجريت الانتخابات وأسفرت عن فوز قائمة الجبهة القومية بقيادة الحبيب بورقيبة. ومنذ شهر أبريل/نيسان 956، شرع المجلس القومي التأسيسي في إعداد الدستور الذي أعلن عنه يوم 1 يونيو/حزيران 1959.

وفي يوم 8 أبريل/نيسان 1956، انتخب الحبيب بورقيبة رئيسا للمجلس القومي الـتأسيسي وكلف يوم 11 أبريل بتشكيل الحكومة التونسية. وفي 25 يوليو/تموز 1956 قرر المجلس القومي التأسيسي بالإجماع بعد مداولات تاريخية إنهاء النظام الملكي وذلك بخلع الملك محمد الأمين باي وإعلان الجمهورية التونسية بتنصيب الحبيب بورقيبة أول رئيس لها.

على المستوى السياسي، أُضفيت الصبغة التونسية على الإدارة من خلال بعث إطار إداري جديد منذ يونيو/حزيران 1956 تمثل في إنشاء الولايات والمعتمديات والاستغناء عن خدمات الموظفين الفرنسيين وتعويضهم بموظفين تونسيين.

كما غدت السياسة الخارجية تونسية بحتة، وذلك بالانخراط في منظمة الأمم المتحدة يوم 12 نوفمبر/تشرين الثاني 1956 وفي جامعة الدول العربية يوم 1 أكتوبر/تشرين الأول 1958.

ولم يخل الأمن والقضاء من تعديلات، فقد تشكلت وحدات الشرطة والحرس الوطني يوم 18 أبريل/نيسان 1956 كما تشكلت نواة الجيش الوطني يوم 24 يونيو/حزيران 1956، وأغلقت المحاكم الفرنسية واستبدال بها محاكم تونسية بداية من 1 يوليو/تموز 1957.

شهد القطاع الاقتصادي إصلاحا للحد من التبعية الاقتصادية، وذلك بتأميم القطاعات الحيوية بين 1956 و1960، وقد شمل الإصلاح مجال السكك الحديد والموانئ وإنتاج وتوزيع المياه والكهرباء والغاز، كما تحقق بعث دواوين وشركات جديدة.

 

إجلاء الفرنسة

انتهى مطلب الحبيب بورقيبة الذي قدمه إلى السلطات الفرنسية بخصوص جلاء القوات الفرنسية عن تونس في يونيو/حزيران 1956 بالرفض، ويعود هذا الرفض إلى رغبة فرنسا في حماية مصالحها المتبقية بتونس ومحاصرة الثورة الجزائرية.

وقد تعددت الاعتداءات الفرنسية على القرى التونسية المحاذية للحدود مع الجزائر، ولعل أبرزها أحداث ساقية سيدي يوسف يوم 8 فبراير/شباط 1958 التي خلفت 68 شهيدا تونسيا وجزائريا أغلبهم من الأطفال. فاحتجت الحكومة التونسية على ذلك ونشبت بين القوات التونسية والفرنسية معركة رمادة بالجنوب في مايو/أيار 1958. وترتب على ذلك قبول فرنسا إجلاء قواتها عن التراب التونسي باستثناء قاعدة بنزرت. وفي يوليو/تموز 1961 وقعت معركة الجلاء التي سقط فيها ضحايا تونسيون، لكنها في النهاية أسفرت عن إجلاء القوات الفرنسية عن القاعدة في 15 أكتوبر/تشرين الأول 1963.

الملك محمد الأمين باي الذي تم خلعه من النظام الملكي التونسي وجاء بورقيبة من بعده

 

تشريعات جهة اليمين والشمال

لم يكن الجهاز القضائي زمن الاستعمار نقيا وتونسيا بأتم معنى الكلمة، بل كان مشتتا نظرا لاختلاف الجنسيات التي تقوم عليه، فقد كانت هناك المحاكم الشرعية التونسية ومجالس الأحبار اليهودية والمحاكم العصرية التونسية والمحاكم الفرنسية وبعض المحاكم المختلطة. لذلك تمت المبادرة بتوحيد القضاء وتحديثه وفق الطريقة الفرنسية، فكان قرار إلغاء المحاكم الشرعية يوم 3 أغسطس/آب 1956.

ثم أصدر بورقيبة عن طريق البرلمان التونسي مجلة الأحوال الشخصية في 13 أغسطس/آب 1956. ومن التشريعات التي احتوتها المجلة قانون رفع سن الزواج المبكر إلى 20 سنة بالنسبة للذكور و17 بالنسبة للإناث، وتمكين المرأة من حق الانتخاب. كما شملت المجلة قوانين ذات بعد اجتماعي مثل قانون إلغاء تعدد الزوجات ومعاقبة كل من يخترق هذا القانون بعقوبة جزائية، وقانون يمنع الزوج من إرجاع زوجته بعد أن رماها بيمين الطلاق ثلاثا إلا في حالة طلاقها من زوج غيره، وقانون يلزم الاعتراف بالطلاق عن طريق القضاء فقط. كما احتوت المجلة على قرار منع الزواج العرفي وفرض الصيغة الرسمية للزواج وتجريم المخالف، وقرار المساواة الكاملة بين الزوجين فيما يخص أسباب الطلاق وإجراءات الطلاق وآثار الطلاق.

لقد كان موضوع المجلة محل جدل بين الناس في ذلك الوقت، فقد تباينت الآراء إزاء أبرز ما جاء فيها من تشريعات، واعتبرتها نخبة من الساحة الدينية تجاوزا لحدود الله وانتهاكا للشريعة الإسلامية. وفي غضون ذلك أرسل مفتي الديار التونسية محمد عبد العزيز جعيط في 20 أغسطس/آب 1956 رسالة إلى وزير العدل أحمد المستيري مفادها ضرورة تعديل بعض فصول المجلة وبالأخص قرار منع تعدد الزوجات ووضع مجرى قضائي للطلاق.

وفي 14 سبتمبر/أيلول، قام 13 عضوا بمحكمتين شرعيتين علويتين بنشر فتوى يصرحون فيها بوضوح جلي أن مجلة الأحوال الشخصية تحتوي على توجهات مدانة نظرا لمخالفتها أحكام القرآن والسنة والإجماع وعدم التقيد بها. ونتيجة لما أفتوا به فصلوا جميعا أو أحيلوا على التقاعد المبكر بأمر من الرئيس بورقيبة، بينما أوقف الأئمة الذي ألقوا خطبا ضد المجلة، ونفس الجزاء طبق على الشيوخ الذين وقعوا على عرائض أو مقالات ضدها.

وفي 18 يوليو/تموز 1957، أعلن عن إجبارية التسجيل في دفاتر الحالة المدنية، كما أُصدرت عدة مجلات قانونية مثل مجلة التجارة والطرقات والشغل وغيرها من المجلات.

وبينما صدر قانون في 4 نوفمبر/تشرين الثاني 1957 نص على توحيد التعليم وتحديثه ومجانيته للجميع، أجهز بورقيبة على دور مؤسسة الزيتونة الإسلامية في التعليم، إذ ألغى المرحلتين الابتدائية والثانوية من التعليم الزيتوني وأصبحت مرحلته العليا من مشمولات كلية الشريعة وأصول الدين التابعة للجامعة التونسية التي تأسست في مارس/آذار 1960.

 

قمع الخصوم.. والرفاق

على المستوى الداخلي، لا تقبل سياسة بورقيبة التعسفية فيما يخص معارضي نظامه النقاش على الإطلاق، إذ قام بإعدام كل من خاصمه وعاداه، حدث ذلك مع اليوسفيين في مطلع الاستقلال، حينما طالب البعض بتخفيف العقوبة المشددة على الشبان الذين اعتقلوا فور عملية "قفصة" الشهيرة، فكانت ردة فعل بورقيبة آنذاك غير رحيمة، إذ أصدر أوامره من الغد بتنفيذ حكم الإعدام العاجل على 16 منهم.

وكانت شراسته شديدة في مواجهة خصومه السياسيين حتى لو كانوا رفاقه في مسيرته السياسية، فقد قطع دور المؤسسة الزيتونية الإسلامية في التدخل في شؤون الدولة، وقام بمطاردة كل من له صله بالكاتب العام للحزب والسياسي صالح بن يوسف، ولم يتوقف عن مهاجمتهم وشل كافة تحركاتهم إلا بعد اغتيال زعيمهم اللاجئ بألمانيا في أغسطس/آب 1961، عندها فقط أغلق ملف قضية المضايقات اليوسفية إلى الأبد.

كما اغتنم محاولة الانقلاب التي تعرض لها عام1962  لإيقاف نشاط الحزب الشيوعي نهائيا، وحارب فيما بعد الإسلاميين (حركة الاتجاه الإسلامي وحركة النهضة لاحقا) بعد فترة وجيزة من الهدنة استثمرها في حربه على المعارضة اليسارية التي منع حركتها. ثم توجه إلى قطاع الإعلام وفرض رقابة صارمة عليه، وعطل كل الصحف المعارضة والمستقلة، وألغى الحريات الأساسية، وأقام نظام الحزب الواحد، مستغلا الاتحاد العام التونسي للشغل الذي تحالف مع الحزب الدستوري إلى درجة قبول التدخل في شؤونه وفرض الوصاية عليه وعلى قيادته، وجل هذه الأحداث مهدت له الطريق لتعديل دستوري في 27 ديسمبر/كانون الأول 1974 سمح له برئاسة الدولة مدى الحياة.

 

إفقار الشعب وثورة الخبز

تبنى مذهب الاشتراكية في الستينيات الذي يقوم على سيطرة الدولة على وسائل الإنتاج، وعدالة التوزيع، والتخطيط الشامل. وفي هذه الأجواء الاقتصادية والسياسية اضمحل نشاط المجتمع المدني، وسيطرت الشمولية على التفكير والإعلام والتنظيم في كل تونس.

مع دخول مشروع الزيادة في أسعار العجين ومشتقاته حيز التنفيذ يوم 1 يناير/كانون الثاني 1984، توسع نطاق الحركة الاحتجاجية ليشمل أغلبية المدن التونسية التي تخللتها مواجهات عنيفة بين المتظاهرين وقوات الأمن. وفي 3 يناير بلغت الانتفاضة أوج أحداثها وباتت المواجهة مفتوحة على مصراعيها بين المتظاهرين من ناحية وقوات النظام العام والجيش من ناحية أخرى، وأسفر إطلاق النار عن سقوط مزيد من القتلى والجرحى في صفوف المواطنين.

لقد كانت "ثورة الخبز" تروي قصة شعب لا يقوى على تحمل أعباء التدهور الاقتصادي الناجم عن اتباع سياسة اقتصادية فاشلة، فطالب بحقه في التمتع بدعم المواد الغذائية الأساسية مثل الخبز وغيره. ولكن بورقيبة تعامل مع هذه الاحتجاجات والمظاهرات بالقمع والعنف والسلاح.

 

حرب على الزيتونة والصيام والحجاب

وعلى المستوى الديني، ما شهدته تونس من حرب ضد الإسلام، في عهد بورقيبة –وتاليا في عهد بن علي- لم تبلغه فترة الاحتلال الفرنسي المباشر لتونس (1881-1956). فالحرب على الزيتونة وعلى صيام رمضان والحجاب والعلماء.. حقائق معروفة في عهد بورقيبة. فبعد إعلان نفسه رئيسا مدى الحياة، أغلق بورقيبة جامع الزيتونة الذي كان منارة إسلامية منذ تأسيسه عام 79 هجري على يد حسان بن النعمان.

ليس هذا فحسب، بل دعا إلى ترك الحجاب التقليدي المعروف في تونس بـ"السفساري"، وهو غطاء ساتر تتلحف به المرأة عند الخروج ويغطي رأسها حتى كعبيها. وفي ذلك الوقت، ما كانت النساء التونسيات يتجرأن على الخروج إلى السوق من دونه. وتعرّض "السفساري" لحملة إعلامية مكثفة تتحدث عن تخلفه. كما قام بورقيبة نفسه بإلقاء "السفساري" من على رأس امرأة في مسرحية محكمة الإعداد والإخراج من قبل أتباعه ووسط تصفيق بعض زبانيته من أجل التأثير على الرأي العام.

لقد تمادى بورقيبة في العدوان على شعائر الإسلام، ولم يكتف بالإجهاز على مؤسسة الزيتونة وإنما أعلن منع الصوم في رمضان سنة 1962، زاعما بأنه يقلل من الإنتاجية. وبعد ذلك عزل المفتي الفاضل بن عاشور الذي عارض قراره المناهض للشريعة الإسلامية. ويشهد الشعب التونسي المعاصر لتلك الفترة على قيام بورقيبة بنفسه باحتساء كوب من الماء في نهار شهر رمضان أمام شاشة التلفاز، كما أمر بتنظيم حملات مكثفة لإجبار الموظفين والعمال وقوات الجيش وجميع شرائح المجتمع المدني على الإفطار في رمضان. وكانت النتيجة كارثية، إذ فقَد كثير من الناس وظائفهم جراء عدم استجابتهم لطلب الإفطار. وقد وصل به الحد إلى التشكيك في مصداقية القرآن الكريم وإعجازه الذي اعتبره كلاما متناقضا لا يقبله العقل.

اقتصاديا، اتبع بورقيبة سياسة التعاضد التي تتمثل في تجميع الأراضي الفلاحية، غير أنها فشلت فشلا ذريعا مما دفع به إلى تبني سياسة ليبرالية في مطلع السبعينيات قادها الوزير الأول الهادي نويرة.

 

موالاة الغرب وزيارة إسرائيل

وعلى المستوى الخارجي، رحب بالسياسة الأمريكية في المنطقة وأعلن تحالفه مع الغرب علنا، وكوّن أيضا علاقات جيدة مع النظام الملكي. بينما كان موقفه من الاتحاد السوفياتي مغايرا تماما لموقفه مع أوروبا على سبيل المثال، إذ رفض رفضا قاطعا إقامة أي شكل من أشكال العلاقات الاقتصادية والعسكرية معه.

كما تميزت علاقته مع جمال عبد الناصر بالتوتر المستمر جراء الاختلاف في الأفكار وبعض المواقف من أبرز القضايا العربية مثل تحرير فلسطين. فقد زار الحبيب بورقيبة إسرائيل في 1965 وألقى خطابا تاريخيا في أريحا دعا فيه اللاجئين الفلسطينيين إلى عدم التمسك بالعاطفة والاعتراف بقرار التقسيم لسنة 1947 مع إسرائيل، مشيرا إلى ضرورة الاقتداء بالتجربة التونسية في الاستقلال.

موت مهين

إثر تدهور الأحوال الصحية لبورقيبة وتقدمه في السن، قام الوزير الأول زين العابدين بن علي بالانقلاب عليه وأعلن أمام الملأ أن الرئيس بورقيبة أصبح عاجزا عن القيام بمهام الرئاسة، ووفقا لأحكام الدستور نصب نفسه رئيسا جديدا لتونس في 7 نوفمبر/تشرين الثاني 1987.

لقد كان موت بورقيبة في 6 أبريل/نيسان 2000 مهينا، فقد وضع تحت الإقامة الجبرية من قبل بن علي، وعزل في قصره وحرم من التنقل والخروج. وذكرت بعض التقارير أنه حاول الانتحار مرارا حتى أدركته المنية عن 97 عاما.

ثم استمر تفنن بن علي في إذلال بورقيبة حتى بعد وفاته، فقد منع نقل جنازته مباشرة على التلفاز، ورفض عرض فيديو يروي سيرته، كما صد وسائل الإعلام الأجنبية وشخصيات عالمية كانت مقربة من بورقيبة عن حضور مراسم دفنه. ودفن بورقيبة أخيرا في مسقط رأسه مدينة المنستير وسط تعتيم إعلامي كبير.

ذات صلة

من الغرانا إلى تل أبيب.. قصة يهود تونس عبر القرون
نقد سينمائي

من الغرانا إلى تل أبيب.. قصة يهود تونس عبر القرون

في فيلم من جزأين بعنوان "من الغرانا إلى تل أبيب" تروي الجزيرة الوثائقية قصص يهود تونس عبر القرون إلى أن كتبوا على أنفسهم الجلاء نحو إسرائيل، وكيف غرر بهم التيار الصهيوني وأقنعهم بالهجرة ليعانوا بؤس الحياة وشقاء الغربة وألم الكدح.