بورتريه

رابعة العدوية.. عن أيقونة الحب الإلهي

أسامة صفار

تعد نبيلة عبيد من أشهر من قام بدور شهيدة العشق الإلهي رابعة العدوية

وقف الأستاذ الدكتور يلقي محاضرته في إحدى كليات العلوم الإنسانية بالقاهرة، فتحدث عن الحب وفلسفته ومستوياته ومعنى الحب والهوى والعشق والهيام وغيرها، وتطرّق إلى نماذج العشاق، فبدأ بالعشق الإلهي وذكر رابعة العدوية، وطرح على الطلاب والطالبات سؤالا إن كان يوجد من يعرف عنها شيئا، فكانت الإجابة موحدة لمعظم من تصدوا لها: إنها الممثلة المصرية نبيلة عبيد!!

تعد نبيلة عبيد من أشهر من قام بدور شهيدة العشق الإلهي رابعة العدوية، وتكمن المفارقة هنا بين الزهد والتصوف والتفرغ للعبادة لدى الشخصية الأصيلة التي لا يُعرف لها شكل محدد نظرا لقدمها وموت من شاهدوا وجهها وعايشوها، وبين الطبيعة المترفة المنفتحة التي تُعد من سمات الوسط الفني ومنه الممثلة نبيلة عبيد التي يستدعي صورتها اسم رابعة، وليست المسافة بين الاسم والصورة إلا انعكاس حقيقي لأزمة تجسيد الشخصيات التاريخية على الشاشة وخطورة هذا التجسيد، إذ إنه في أحيان كثيرة تمحو الصورة السينمائية الصورة والقصة الحقيقية من أذهان الأجيال التالية.

هو نفسه ما تكرر مع شخصية تاريخية بحجم صلاح الدين الأيوبي، حيث يستدعي ذكر اسمه في أغلب الأحيان الممثل المصري الراحل أحمد مظهر، بل ويعتقد من لم يقرأ الحكاية الحقيقية في كتب التاريخ أن الأجواء والسلوكيات التي تصدر عن أحمد مظهر هي حقيقة صلاح الدين الأيوبي، بينما هي في حقيقة الأمر استلهام برؤية وخيال يخص المخرج والكاتب فقط.

 

رابعة.. مدرسة صوفية منفردة

رابعة العدوية هي واحدة من أكثر الشخصيات إلهاما في التاريخ الصوفي، وقد أدخلت على قصة حياتها وتصوفها الكثير من الروايات المشكوك فيها، ويرى عدد كبير من العلماء أن ثمة انحرافا في معتقدها خاصة فيما يتعلق بطبيعة حب الإنسان لله، فهي لم تكن -طبقا لها– تعبد الله خشية أو طمعا، لكن ”أحبك حبين، حب الهوى وحبا لأنك أهل لذاك“، ويرون أن خشية الله جزء من العقيدة الإسلامية. وهي واحدة من رائدات الفكر الصوفي، حيث تميزت واستقلت عن غيرها من روّاد التصوف، وهو ما جعلها مدرسة منفردة.

يُعد الجاحظ أول من كتب عنها حيث قال ”قيل لرابعة القيسية: لو كلمنا رجال عشيرتك فاشتروا لك خادما يكفيك مؤنة بيتك؟ فقالت: والله إنّي لأستحي أن أسأل الدنيا من يملك الدنيا، فكيف أسألها من لا يملكها؟“. وقد ذُكرت على لسان الزركلي فعرف بها وقال: ”هي رابعة ابنة إسماعيل العدوية، وهي أم الخير، مولاة آل عتيك، ولها عدة أخبار في النسك والعبادة، ومن كلامها: اكتموا حسناتكم كما تكتمون سيئاتكم“.

كانت رابعة تخرج لتعمل مكان أبيها ثم تعود بعد عناء وتُهوّن عن نفسها بالغناء

مرارة اليتم والتشرد

وما ثبت عنها في التعريف بها أنها رابعة بنت إسماعيل العدوي، وهي شخصية عراقية ولدت في مدينة البصرة، ويرجح مولدها نحو عام (100هـ/717م) من أب عابد فقير وهي ابنته الرابعة، وهذا يفسر سبب تسميتها رابعة لأنها البنت ”الرابعة“.

توفي والدها وهي طفلة دون العاشرة، ولم تلبث الأم أن لحقت به لتجد رابعة وأخواتها أنفسهن بلا عائل يُعينهن على الفقر والجوع والهزال، فذاقت رابعة مرارة اليتم الكامل دون أن يترك والداها من أسباب العيش لها ولأخواتها سوى قارب ينقل الناس بدراهم معدودة في أحد أنهار البصرة، وذلك كما ذكر المؤرخ الصوفي فريد الدين عطار في ”تذكرة الأولياء“.

وكانت رابعة تخرج لتعمل مكان أبيها ثم تعود بعد عناء وتُهوّن عن نفسها بالغناء، وكتب الشقاء عليها وحرمت من الحنان والعطف الأبوي، وبعد وفاة والديها غادرت مع أخواتها البيت بعد أن ضرب البصرةَ جفاف وقحط ووباء وصل إلى حد المجاعة، ثم فرّق الزمن بينها وبين أخواتها، وبذلك أصبحت وحيدة مشردة، وأدت المجاعة إلى انتشار اللصوص وقُطّاع الطرق، فخُطفت رابعة من قبل أحد اللصوص وباعها بستة دراهم لأحد التجار القساة من آل عتيق البصرية، وأذاقها التاجر سوء العذاب، ولم تتفق آراء الباحثين على تحديد هوية رابعة، فالبعض يرى أن آل عتيق هم بنو عدوة ولذا تسمى العدوية.

تقول الرواية الفيلمية عن حياة رابعة إنها عاشت حياة اللهو ومن ثم تاب الله عليها وزهدت في الدنيا وما فيها وتفرغت للعبادة

توبة بعد لهو

تقول الرواية الفيلمية عن حياة رابعة وبعض رواة سيرتها أيضا إنها عاشت حياة اللهو ومن ثم تاب الله عليها وزهدت في الدنيا وما فيها وتفرغت للعبادة، وفي رواية مناقضة يقول آخرون إنها لم تمر بمرحلة ”لهو“، وإن حرمانها الذي سببه الفقر جعل همها في حب الله وحده ورضاه.

ورُوي عن أكثر من ”خاطب“ لها ردّتهم مستنكرة لما طلبوا، مؤكدة أن لا حاجة لها بالدنيا ولا لطالبي الدنيا. ومن أعجب ما روي عنها أن لصّا تسلق بيتها واقتحمه فلم يجد ما يسرقه، واستيقظت فأمرته بالصلاة كي لا يخرج خالي الوفاض، ودعت له فاستمر على صلاته حتى الفجر.

قدمت السينما شخصية رابعة العدوية في فيلمين؛ "شهيدة الحب الإلهي" و"رابعة العدوية"

رابعة في السينما

وقدمت السينما شخصية رابعة العدوية في فيلمين؛ الأول تم إنتاجه عام 1962 تحت عنوان ”شهيدة الحب الإلهي“ إخراج عباس كامل وبطولة عايدة هلال ورشدي أباظة وحسين رياض وكاريمان وتوفيق الدقن ونجوى فؤاد، وأدت أغاني الفيلم الفنانة الراحلة سعاد محمد.

وبعد عام واحد أعادت السينما تقديم الشخصية نفسها في فيلم يحمل اسمها، بطولة الوجه الجديد آنذاك الفنانة نبيلة عبيد، وشاركها البطولة فريد شوقي وعماد حمدي وحسين رياض وعبد الله غيث وزوزو نبيل، وإخراج نيازي مصطفى، والأغاني هذه المرة حملت صوت ”كوكب الشرق“ أم كلثوم، ويعد الفيلم الثاني هو الأكثر شهرة ونجاحا، وتعرضه اليوم القنوات الفضائية بشكل دائم، وكان فرصة العمر للفنانة نبيلة عبيد، بينما لم يشاهد كثيرون فيلم ”شهيدة الحب الإلهي“.

 

رابعة في الإذاعة

وقُدمت حياة رابعة العدوية أيضا في مسلسل إذاعي كتب أشعاره الشاعر الكبير طاهر أبو فاشا، ووضع ألحان أغانيه كبار الملحنين رياض السنباطي وكمال الطويل ومحمد الموجي، وغنته ”أم كلثوم“، وأخرج المسلسل عثمان أباظة.

وكان لاختيار بطلته قصة، فبعد أن سُجل العمل بالفعل، عُرضت الحلقات على لجنة ضمت أم كلثوم التي رأت أن صوت الممثلة لا يتناسب مع صوتها عندما تغني، واقترحت أن يتم استبدالها بالفنانة سميحة أيوب التي كانت تتلمس خطواتها الأولى في عالم التمثيل، وسمعتها أم كلثوم وأُعجبت بها.

وتحدثت سيدة المسرح العربي (سميحة أيوب) مع الكاتب والأديب فاروق شوشة عن التجربة في برنامج قدمه على التلفزيون المصري، وقالت ”بدأت قصتي مع رابعة عام 1957، كان المسلسل سُجل بممثلة كبيرة غيري، وسمعت الحلقات اللجنة التي كانت تضم أم كلثوم، وقالت إن الصوت لا يتواءم مع الصوت الغنائي واقترحت اسمي، وكنت ما زلت في البدايات“.

وقدمت سميحة شخصية رابعة على المسرح أيضا بعد ذلك بسنوات في نص يحمل اسم ”رابعة العدوية“ كتبه يسري الجندي، كما قدمتها في التسعينيات في مسلسل من تأليف يسري الجندي أيضا تحت عنوان ”رابعة تعود“، لكن هذه المرة كانت تظهر طيفا لبطلة العمل الرئيسية الفنانة إيمان الطوخي التي تشبه الشخصية التي تؤديها حياة رابعة إلى حد كبير.

يختلف الرواة إزاء تاريخ وفاة رابعة العدوية، فالبعض يشير إلى عام 180ه وآخرون يؤكدون أنها توفيت في عام 185ه

قبر رابعة.. في القدس أم البصرة؟

ويختلف الرواة إزاء تاريخ وفاة رابعة العدوية، فالبعض يشير إلى عام 180ه وآخرون يؤكدون أنها توفيت في عام 185ه، أما قبرها فقيل إنه بظاهر القدس على رأس جبل يسمى الطور أو طور زيتا، فالمؤرخ ياقوت الحموي يقرر في كتابه ”معجم البلدان“ أن قبر رابعة العدوية إنما هو بالبصرة، وأما القبر الذي في القدس فهو لرابعة أخرى، وقد اشتبه على الناس لتشابه الاسم، وما يؤكد ذلك أنه لم يثبت أن رابعة قد رحلت إلى الشام لكي تموت هناك وتُدفن في بيت المقدس.