بورتريه

"سارة خاتون".. فاتنة بغداد التي فرّت بجسدها من غطرسة الوالي

 

خاص-الوثائقية

كثيرةٌ هي القصص التي تحكي حياة شخصيات واقعية، ثم مع مرّ الأزمان تتحول إلى موروث شعبي أشبه بالأساطير، ويضفي عليها الناس مع مرور الزمن هالة من السحر تحولهم إلى أبطال من عالم الخيال، ومن هؤلاء سارة خاتون التي تعتبر نموذجا للصراع ضد سطوة المال والجاه، وهي شخصية جميلة تستحق أن يعتز بها العراقيون، وهي إلى جانب ذلك رمز للعفة والشرف والجود.

 

 

كامب سارة.. حيّ سكنيّ يخلّد اسم الفتاة الأرمينية

قصة سارة خاتون الواقعية -التي يرويها فيلم بثته الجزيرة الوثائقية- فيها من الدراما والتناقضات والذروة والانبساط ما يمكن أن يجعلها عملا أدبيا متكامل الأركان، تكتب فيه عشرات القصص. ورغم صغر سنها (18 سنة) فإنها قاومت الجاه والسلطة، فأصبحت بذلك من الموروث الشعبي العراقي التليد.

فالزائر لحي الصناعة في بغداد من غير العراقيين، سيجد منطقة اسمها كامب سارة، ولكنه لن يعرف من هي سارة هذه التي سُمِّي المخيم السكني باسمها، إلى أن يسأل أهل بغداد المعمَّرين، فيخبرونه أنه سمّي نسبة لسارة خاتون.

السيدة سارة خاتون البغدادية الأرمنية صاحبة الأيادي البيضاء على قومها المهجّرين

 

ولدت سارة خاتون في بغداد عام 1893 من عائلة أرمينية استوطنت العراق منذ 600 عام، وأبوها يدعى "أوهانسيان"، وهو رجل صاحب أملاك كبيرة جدا، يسير القطار فيها ساعة كاملة ما يبلغ أن يحيط بها، وله ممتلكات في الحلة وكربلاء والكوت.

توفيت أختها الصغيرة ووالدتها ثم والدها كذلك، وأصبحت وحيدة في رعاية ووصاية عمها "سيروك"، وكانت عمتها "صوفيا" هي القلب الحنون الذي يعطف عليها، ولذلك سمت ابنتها "صوفيا" تيمنا بعمتها.

حفلة دجلة.. جمال مبهر يسلب قلب الوالي

بدأت قصة سارة خاتون في عام 1910، عندما كان ناظم باشا واليا على العراق، وكان هذا الوالي قد زار فرنسا مرارا، وتأثر بالثقافة الفرنسية والحياة الغربية، فأراد أن يقيم حفلة راقصة على زورق في نهر دجلة، ولم يكن الناس قد اعتادوا على مثل هذه المظاهر من الحفلات الراقصة والأنوار الساطعة.

دعا الوالي إلى هذه الحفلة القناصلَ وزوجاتهم والعائلات الأجنبية والمسيحية، ومن بينهم سارة خاتون التي جاءت مع عمتها صوفيا، وكانت ترتدي الزي العراقي المعروف آنذاك "البوشيَّة"، ويبدو أنها قد خلعت تلك البوشية أثناء الحفل فشاهدها الوالي وأعجب بجمالها، رغم الفارق بالسن بينهما، فقد كان في الخمسين من العمر، وهي في السابعة عشرة من عمرها.

لقاء جمع بين ناظم باشا والي بغداد وبين الآنسة سارة خاتون في حفل على متن قارب

 

كانت لناظم باشا علاقات نسائية متعددة، وفي هذه الحفلة رأت سارة بأنه يمكن أن يكون الوالي سندا لها في مواجهة عمها الذي كان يضيق عليها الخناق في أملاكها ويتصرف فيها دون إذنها وعلمها، وظنت أن زواجها من الوالي قد يعفيها من وصاية عمها. وقد افتتن بها الوالي فعلا، ورغب في الزواج منها، ولكن عمها سيروك وابنه دانيال سعَيا لدى الوالي لتكون محظيّة عنده لا زوجة.

منازل الدبلوماسيين.. ملاجئ العذراء الهاربة من الذئاب

رفضت سارة العرض بأن تصبح محظية لدى الوالي رفضا قاطعا، واحتقرت ابن عمها دانيال الذي حاول مرارا أن يختطفها ويسلمها للوالي. وفي إحدى المرات جمع دانيال بعض "الأشقياء" وتسلل إلى حديقتها وحاول اختطافها، ولكنها صرخت حتى سمعها الجيران والفلاحون، فهبوا لمساعدتها وأوسعوا ابن عمها وعصابته ضربا.

وعندما رأى الوالي ناظم باشا تمنّعها عليه أراد هو الآخر اختطافها، فأرسل الحرس والدرك في طلبها، وعندما وصلتها الأخبار عن محاولة اختطافها هربت من بيتها ولجأت إلى منزل القنصل الألماني، لكن القنصل كان يعلم أن الوالي لن يتورع عن اقتحام منزله إذا علم بوجودها عنده، فأرسلها إلى منزل داود النقيب، وهو قامة دينية مهمة في بغداد.

محاولتا اختطاف للآنسة سارة خاتون نفذ الأولى ابن عمها والثانية درك الوالي لكنهما باءتا بالفشل

 

علم الوالي بمكان إقامتها فأرسل الشرطة بأعداد كبيرة إلى بيت النقيب، لكنه قرر أيضا إرسالها إلى منزل القنصل البريطاني، فهو يعلم أن الوالي لن يجرؤ على اقتحام منزله، وقد قام أهل بغداد في منطقة باب الشيخ بتشكيل ساتر بشري يحول بين عربة سارة وأفراد الشرطة، حتى وصلت إلى مأمنها.

ثم وصلت إلى القنصلية البريطانية، ومن هناك قام الإنجليز بتهريبها إلى منطقة البصرة من خلال مراكب شركة "لانش" الإنجليزية التي ترفع العلم البريطاني، ومن البصرة نقلت إلى بومباي في الهند عن طريق سفينة بريطانية أخرى. وفي هذه الأثناء فطن رجال الاتحاد والترقي -وخصوصا وزير الداخلية- إلى الحماقات التي ارتكبها ناظم باشا، فقاموا بعزله.

هجرة باريس.. موطن النصيب مع الزوج الأرميني الثري

في بومباي أشار على سارة بعض المقربين منها أن تختفي عن الأنظار قليلا حتى إعادة ناظم باشا إلى إسطنبول، وقد جرى ذلك، واستطاع ناظم باشا أن يرسل لها رسالة أخبرها فيها بأنه يحبها. ولم يطل بها المقام في بومباي، فقد قاموا بتهريبها إلى باريس، وهناك تعرفت إلى شخص أرميني غني جدا اسمه دانيال اسكندريان، فتزوجته.

غابت سارة عن المشهد البغدادي برهة من الوقت، لكن سيرتها وقصصها بقيت تتناولها الألسنة بالتقدير والاحترام، بل إن كثيرا من الأغاني العراقية القديمة كانت تتناول القصص التي نسجت حول شخصية سارة، ومطاردة الوالي لها، مثل أغاني المطربة زكية جورج وصدّيقة الملّاية وغيرهما.

سارة خاتون تتعرف على الأرمني دانيال اسكندريان وتتزوجه في باريس

 

في عام 1915 حدثت مجازر الأرمن في تركيا (في عهد حزب تركيا الفتاة)، فقُتل وهجّر الكثير منهم، ولجأ كثير منهم إلى العراق وانتشروا في المدن العراقية من الشمال إلى الجنوب، وفي 1918 عادت سارة إلى بغداد برفقة أولادها الثلاثة، بعد وفاة زوجها، لكنها رجعت سيدة ناضجة فائقة الجمال ذات ثروة طائلة.

مخيمات اللجوء البغدادية.. إنفاق الثروة على ضحايا الحرب

رأت سارة أن مخيمات اللجوء التي جرى إعدادها قد ضاقت عن 17 ألف مهجَّر أرميني، فتبرعت بكثير من أراضيها، وباعت بعضها بأثمان زهيدة، من أجل أن يسكنها اللاجئون الأرمن في كامب سارة، وفي المنطقة التي تعرف اليوم بحي الرياض.

تعتبر سارة نموذجا للعفة والشرف البغدادي، وقد ظلت سيرتها تتردد في المقاهي والنوادي الثقافية والاجتماعية، وهي إلى جانب ذلك تعتبر صاحبة إحسان وكرم خالد، ولكنها ماتت وهي لا تملك من حطام الدنيا شيئا، حتى أنها في آخر أيامها كانت تركب المواصلات العامة التي يركبها فقراء المواطنين.

"كمب سارة" حي بغدادي بنته سارة خاتون لمهجري قومها الأرمن الهاربين من الحرب العالمية الأولى

 

توفيت سارة عام 1960، وهي لا تملك ثمن مدفنها، وقد قامت خادمتها وسائقها بتأمين تكاليف دفنها، وهما اللذان داوما على العمل معها دون مقابل في سنوات حياتها الأخيرة.

ومن مآثرها أنها كانت تحب البغداديين جميعا، على اختلاف طوائفهم وأديانهم ومشاربهم الثقافية والاجتماعية، حتى صارت قصتها جزءا مهمّا من التراث الثقافي البغدادي، ورمزا للتعايش السلمي بين مختلف الطوائف.

ذات صلة

قلب مدينة – بغداد
نقد سينمائي

قلب مدينة – بغداد

  وثائقي يروي تاريخ بغداد منذ أن وضع الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور حجر الأساس لإعمارها وحتى الغزو الأمريكي لبغداد.