بورتريه

محمد هوندو.. وأخيرا نام صاحب الصوت المقنّع

 

حميد بن عمرة

التقيت هذا الرجل أول مرة بمترو باريس المتوجه إلى "مونتروي" (Montreuil) المجاورة للحدود الجنوبية لمدينة السينما والفن. جلس مقابلا لي في صدفة الزحام. ابتسمت في وجهه وسلمت عليه فرد حذرا بلطف.

عرّفته على السينما التي كنت أحملها تحت إبطي في علبة 16ملم، وطلبت منه لقاءً مصورا لفيلم وثائقي عن السينما الأفريقية.

ذكّرته بلقاءات أخرى صورته فيها لكنها كانت متباعدة زمنيا فخانته الذاكرة. كنتُ أعرف أن الكاميرا لن تنساه وأنها ستحتفظ بوجهه. أحَب الفكرة وابتسم لها، كما رحب بفكرة الفيلم عنه ومعه، فطلب مني مشاهدة فيلم سابق للتأكد من صحة النية ومن جودة العمل.

لم يكن الإنترنت هو الواصل والموصّل في نهاية الثمانينيات، والأفلام لم تكن تشاهَد إلا بالسينما أو بقاعات التركيب الضخمة العتاد، التي يتوجب دفع تكاليف استعمالها الباهظة.

أعطاني رقم بيته الذي أحتفظ به إلى حد الآن، لكني لم أتمكن منذ ذلك اللقاء من رؤيته. جاءني خبر تدهور صحته في الشهر الثاني من هذا العام 2019، فأخبرت مهرجان "فيسباكو" (Fespaco) ببوركينا فاسو الذي كان سينعقد في نفس الشهر واقترحت تكريما له قبل أن يفوت الأوان.

لم يستجب المهرجان ولا أي صحفي أفريقي لهذا الطلب. فهل نحن الأفارقة والعرب نفضل تكريم الأموات ولا نحتفي بمبدعينا ومثقفينا وهم أحياء؟

قاوم المرض شهرا ثم توفي الرجل الجميل في الشهر الثالث في يومه الثاني وحيدا بباريس بعيدا عن أضواء المدينة.

صورة بورتريه لمحمد هوندو

 

احذر السينما الفرنسية.. وصية من خبير

بالمترو قال لي: احذر من السينما في فرنسا والغرب عامة، سيسترضونك إن غضبت، وسيرفعونك في محافلهم طالما وجودك يخدم مصلحة معينة، وعندما تعتقد أنك وصلت يُسحب البساط من تحت قدميك فجأة ويتوقف رنين الهاتف ولن تتمكن من الاتصال بمن كانوا يتباهون برفقتك لأن سكرتيراتهم سيتفنن في إيجاد حجج مصطنعة لغياب من تطلُب كل مرة. مع الزمن اكتشفتُ أن هذا يحدث أيضا في السينما العربية وليس فقط مع الأفارقة والعرب بفرنسا فقط.

كان يبرر علاقته بالإخراج في الستينيات على النحو التالي: لم أفهم لماذا كنت غائبا في كل شاشات العالم أفريقيا وعربيا، لا أثر لوجوه إيجابية أفريقية بالسينما، فقررت أن أملاء هذا الفراغ.

لقد ترك فراغا كبير الآن بعد رحيله لأنه آخر المقاومين بلسان حاد وشجاعة فكرية في قول كلمة الحق، فكيف تم نسيان هذا الرجل أو تناسيه حتى من طرف أهله؛ أي من طرف محافل العرب والأفارقة؟

هل توجد قائمة سوداء لكل من يخرج عن السرب؟ هل يتم عزل الثائر والمتفرد فنيا بشكل ممنهج حتى في بلده؟

ما هو دور التمويلات الغربية في مهرجانات أفريقيا والبلاد العربية؟ هل يوجد فعلا مهرجان عربي وأفريقي هام دون تمويل غربي؟ لماذا كل هذا الحب للسينما العربية والأفريقية من طرف اللوبيات الغربية؟ هل فعلا كل هذه التدخلات المالية لصالح سينما عربية أفريقية تخدم حرية التعبير والإبداع أم أن هذا يخدم توجها سياسيا معينا؟

كل هذه الأسئلة كانت تراود محمد هوندو طوال لقائنا بباريس.

 

هوندو.. الموريتاني العالمي

وُلد محمد هوندو عام 1936 بموريتانيا وهاجر إلى فرنسا عام 1959 إلى مدينة مارسيليا بالتحديد، لكن قبل ذلك مر بمدينة الرباط المغربية حيث تعلم فيها فن الطبخ، ثم عمل بالميناء وبالمطاعم قبل أن يكتشف المسرح وأسماء تفتح له آفاقا ممتدة من "شكسبير" و"إيمي سزير" (Aimé Césaire).

أنجز هوندو 14 فيلما طويلا روائيا وفيلما وثائقيا واحدا هو "الساحل.. لماذا المجاعة؟" عام 1975. أما المسرح فقد وطئت قدمه الخشبة عام 1961 ممثلا ومخرجا مسرحيا، فبقي المسرح منبع إلهامه في كل أعماله.

تعرف هوندو على الممثلة القديرة فرانسواز روزاي (Françoise Rosay) التي صقلت حبه للتعبير وتبنته -حسب تعبيره- وجعلت منه ممثلا ذا حضور ملفت.

لقد كان المسرح الحل الوحيد للخروج من عتمة الحياة اليومية المضنية، كانت حوارات "كاتب ياسين" الجزائري وحبكة "بريشت" (Brecht) وثورية "إيمي سيزير" شاعر المارتينيك؛ كلها لحافا وفراشا لثوريته الباطنية.

تعلم الموريتاني بسرعة ولم يخش من تأسيس فرقته المسرحية الشخصية عام 1966، فاستعمل نصوص "دانيال بوكمان" (Daniel Boukman) الذي كتب أول مسرحية للتنديد بالاحتلال الفلسطيني.

غير أن الحدث الحاسم الذي فتح له حدقةً يرى من خلالها العالم بقية حياته؛ هو دوره في فيلم لـ "كوستا غفراس" (Costa Gavras) الفرنسي اليوناني الأصل عام 1966، وفي العام نفسه فيلم "مذكر مؤنث" (Masculin Féminin) لـ "غودار "(Godard)، ثم مثَّل مع المخرج الأمريكي "جون هوستن" (John Huston) عام 1969 في فيلم "نزهة مع الحياة والموت" (Walk with Love and Death).

وفي نفس العام قام بكتابة وإخراج فيلمه الأول "آه يا شمس" (Soleil O). وقد لاقى نجاحا كبيرا، لكن بعد عرضه بمهرجان كان بمسابقة أسبوع النقاد عام 1970 ونيله عدة جوائز بمهرجانات أخرى منها الفهد الذهبي لمهرجان لوكارنو؛ منع الفيلم بعد ذلك في بلدان عدة.

يقول محمد هوندو: المقاومة أهم شيء في الإنسان. لا يجب للمرء أن يَهِن حتى لا يسهل الهوان عليه.

 

"آه يا شمس".. حالة تقيؤ

يلخص محمد هوندو فيلمه "آه يا شمس" بأنها "حالة تقيؤ". فيلم صَور فقط نهاية كل أسبوع على امتداد أعوام وأنتجه براتبه الشهري كعامل حمال في أسواق باريس (Les Halles).

وُزّع الفيلم 4 سنوات بفرنسا لم ينل منها سنتيما واحدا، لأنه لم يكن منتجا رسميا وقانونيا، لكنه استرجع حقوقه المادية بعد صراع استمر 10 سنوات. ومؤخرا رُمم هذا الفيلم من طرف مؤسسة السينما العالمية (World Cinema Foundation) التي أسسها "مارتن سكورسيسي" عام 2007.

يفرّق هوندو بين العنصرية السرية والعنصرية الصريحة فيقول: الفرق بين عنصرية أمريكا تجاه السود وعنصرية فرنسا تكمن في أن الأمريكي يجهر بالعنصرية، عكس الفرنسي الذي يطعنك في ظهرك. لذا أفضّل أحيانا أن أكون في أمريكا لصراحة العنصرية وعدم سريتها، لأني أعرف بشكل جلي من الخصم ومن المساند.

عانى هوندو من العبودية التي ما زالت -حسب قوله- تمارس بأشكال مستترة بموريتانيا. كان يحلم بسوق سينمائية بين الأفارقة والعرب، بدلا من سوق الرقيق، لكن لحد الآن لا وجود لهذا التبادل. فلماذا لا يتعامل الأفريقي والعربي معا في السينما وفي باقي مجالات الحياة الأخرى؟

يقول هوندو: الكتاب والصورة هما صحة الشعوب نفسيا وعقليا. فلماذا لا تتعامل السينما الشرقية مع المغاربية بشكل مكثف؟ هل الشرق أكثر عربية من المغرب العربي أم أن الطابع الفرنسي لتونس والجزائر والمغرب يبعد هذا الثلاثي عن دمشق والقاهرة وعمّان والدوحة؟

 

الأفلام المغاربية.. بصمة غير عربية

بدأ التمويل القطري منذ فترة في إنعاش بعض الأفلام المغاربية، لكن هذه الأخيرة ليست دوما ببصمة سينمائية عربية، بل تميل إلى الشكل الأوروبي وتنظر للمواضيع العربية من زاوية الأوروبي. هل المخرجون العرب يحتاجون إلى هذا الحد كي يعترف الغرب بهم، أم أن تأثير السينما الغربية على الذاكرة الجماعية يخلق أجيالا تستنسخ القلب والقالب الأوروبي؟ هل السينما التي تنظر إلى عالمنا العربي والأفريقي بعين متعالية تخدم الفكر والمجتمع الذي نعيشه حاضرا؟

يقول هوندو بخصوص "جان روش" (Jean Rouch) المخرج الفرنسي الذي أسس سينما الأنثروبولوجيا: ينظر إلينا هذا المخرج وكأننا حشرات، ومن خلال تعابير ثقافية يخترع فلكلورا.

ويضيف مستغربا الحفاوة التي يلقاها هذا المخرج بفرنسا والعالم: كيف يمكن السكوت عندما يأتي ببعض الأفارقة الذين لا يملكون اللغة الفرنسية ويصورهم أمام تماثيل فرنسية ويعرض هذا على جمهور فرنسي يضحك من هذا التصادم؟

لذا جاء فيلم هوندو "قصة جزر الهند الغربية" (west indies story) الذي أخرجه بين عام 1979 و1981 ردا على سينما الاستشراق التي تثبت معتقد أولوية البيض على السود، لأن الأبيض هو الذي يشاهد الأسود كيف يعيش. الفيلم يلخص قضية العبودية من بدايتها إلى القرن الحديث. والمقصد الأول من هذا النوع السينمائي هو تقديم الوجه الصحيح عن أفريقيا الغائبة.

يقول هوندو: إن الشعوب لا يعرف بعضها بعضا، ولا تعرف إلا ما يُعرض في شاشاتها المختلفة.

الأفريقي لا يعرف الآن أن في فرنسا قرابة 8 ملايين عامل ينهضون كل صباح للتوجه إلى العمل ويعودون في المساء بعد جهد شاق، وأن راتبهم لا يكفي حتى نهاية الشهر، فهؤلاء العمال يُعتبرون في فرنسا عمالا فقراء، وذلك على الرغم من أن فرنسا لم تكن غنية في كل تاريخها أكثر مما هي عليه الآن، فكيف توصل أرباب العمل لاستغلال العامل الفرنسي إلى هذا الحد؟ وكيف يعتقد المهاجر الذي يجازف بحياته في قوارب الموت نحو سواحل فرنسا وإسبانيا وإيطاليا أنه سيجد جنات عدن تجري من تحتها الانهار؟

 

قصة جزر الهند الغربية.. مسرحية النخاسين

إن فيلم "قصة جزر الهند الغربية" (من إنتاج موريتاني جزائري فرنسي) يدور حول الأفارقة المهاجرين إلى جزر المارتينيك وغوادلوب وتجارة العبيد "بالكاريبي؛ والجزيرتان ما تزالان تحت الحكم الفرنسي رغم محاولات استقلالية ضعيفة تم إخمادها سريعا.

الفيلم مقتبس من مسرحية "النخاسين" للشاعر والكاتب المسرحي "دانيال بوكمان" من جزيرة المارتينيك الذي رفض التجنيد في القوات الفرنسية ضد الشعب الجزائري، والذي درس اللغة الفرنسية بالجزائر بعد الاستقلال (1966-1981). ومن كتبه "بطن منتفخ.. بطن خاوٍ" و"فرانز فانو.. آثار حياة مثالية" عن الطبيب النفسي ابن جزيرته الذي ساند الثورة الجزائرية حتى توفي ودفن بالجزائر.

وهو مقتبس أيضا من مسرحيته أيضا "حتى آخر رمق من حياتنا" التي كتبها عن القضية الفلسطينية واعتبرها الفرنسيون نصا ضد السامية، وهي حجة تستعمل كل مرة تغيب فيها الأدلة للتنكيل بالحق. ما زال "دانيال بوكمان" يقاوم إلى يومنا هذا بأشعاره المكتوبة بلغته المحلية "الكريول" (Le créole).

لم يكن هوندو ضد السينما الكلاسيكية، لكنه كان يريد أسلوبا أفريقيا بحتا يشبهه. يعترف بـ"فيتوريو دي سيكا" (Vittorio de Sica) الإيطالي الذي يعتبره أباً للسينما الواقعية الإيطالية وقد كان ينتج أفلاما من راتبه الشخصي.

كان هوندو يقوم بالتمثيل، وما يجنيه من راتب يستعمله في إنجاز أفلامه الشخصية. إنها الطريقة الأقرب للحرية عندما يخشاك المنتجون ويخشون طلاقة تعبيرك.

سيمبين عثمان ومحمد هوندو في مهرجان أفريكا السينمائي (لوفين)

 

أبطال هوندو.. بطولة الشخصية لا الممثل

كان الموريتاني الثائر يبحث عن كيفية مزج فكرة الفرد وفكرة المجموعة في آن واحد، لأنه لم يكن يؤمن بالبطل على النحو الأمريكي. كان يرفض مفهوم البطل الذي يقوم بنفس الحركات وينفذ نفس الأدوار بنفس الأداء من فيلم إلى آخر، فكانت الشخصيات التي تستقطب شاعريته هي التي كانت فكرية ويدوية في آن واحد.

كان يؤمن بقوة الشعوب وليس بالمفكر المنعزل المنظر. كانت الكاميرا عنده شيئا قابلا لاستعمالات شتى، ومتناقضة مثل السلاح الذي يتحول بين يدي الطيب إلى أداة دفاع، وبين يدي الشرير إلى وسيلة للاعتداء.

ليست السينما عند هوندو سوى طريقة في الطبخ، ولا يفرق بينها وبين حرفته التي عاش منها لسنوات، لأن الطبخ عنده علم مجتمعي ناتج عن ممارسة عبر القرون، وليس علما تنظيريا أسسه شخص ما. قد تتقمص الشخصيات عنده أدوارا مختلفة ومتضادة، حيث المُعلم يظهر في نفس الفيلم في دور المستوطن ودور النقابي معا، لأن هذه الطريقة في التعامل مع السرد متداولة كثيرا في المسرح الذي تربى فيه واشتد ساعده على خشبته. لذا فإن البطل هو الشخصية وليس الممثل.

لقطة من فيلم "آه يا شمس" (Soleil O) لمحمد هوندو

 

سينما المسرح.. الحرية تقتل أفلامها

مَسْرَحَ هوندو السينما أو اعتمد على سريالية الخشبة في تصوير أفلامه. فهل يرجع هذا لعدم تخلصه من البصمة المسرحية، أم أن الديكور والسينوغرافيا المسرحية تسمح بقول عدة أشياء في مشهد واحد، وبالتالي يخلق أسلوبا متفردا واقتصادي التنفيذ في الوقت نفسه؟

إن تعامله مع السينما وسيلة للوعي التاريخي يجعل منه ناقوس إنذار لأن تاريخ أفريقيا يكتبه الأوروبيون دوما. فهو لا يعتبر نفسه مثقفا ينتمي لنخبة وطبقة عالية، وإنما عاملا ثقافيا لا يختلف عن الكناس والخباز وساعي البريد.

إن من ينتج أفلامك ويمولها يفرض -لا محالة- ما يجب أن تفكر فيه، وكيف يجب أن تقدمه للجمهور، فالمهارة والموهبة والذكاء والفكر الحاد لا علاقة لهم بوجود الفيلم أمام الشاشة، وإنما قرار المنتج والموزع هو ما يفرض على الشاشة محتواها. لذا على كل مخرج أن يهتم قبل كل شيء بالتوزيع قبل الدخول في أي خندق للكتابة.

يقول هوندو: إن الأفلام الحرة عمرها قصير جدا، فهي تولد ميتة أحيانا لأنها لا تُعرض إلا بمهرجان أو اثنين ثم تختفي بسرعة ولا يبقى من أثرها سوى مقال أو اثنين تعثر عليهما صدفة في مكتبة ببلدية ما.

إن أهم شيء عند هوندو كان الفهم قبل الإيمان. فهل كان براغماتيا لكونه واجه حقيقة الإنتاج القاسية التي لا تتعاطف فقط مع السيناريو المربح؟

لقطة من فيلم "فاطمة.. جزائرية داكار"

 

الكفر بالإلهام.. والإيمان بالوعي

تغيرت البدلة لكن التابع لم يتحرر، والحاكم بقي مسيطرا على من هان، لا فرق بين عبيد الماضي وتبعية الحكومات لأجندات البنوك، والسينما لا يمكن أن تكون فعالة إن خرجت عن السياسة. لم يكن محمد هوندو يؤمن بالإلهام بل بالوعي الاجتماعي الذي يعتبره المصدر الأول للوحي.

يعتبر هوندو أن السينمائيين الأفارقة عبارة عن متسولين يترقبون الصدقة فيقول: أنا سينمائي متسول، لكني أقتصد لأضع ما أكسبه في أفلامي، لأن حكومة بلدي تتسول وتطلب الأموال من أوروبا، لكنها لا تستعملها في توعية الشعب وتغذيته فكريا بل تضعها ببنوك سويسرا.

لا يعترف هوندو بالرقابة لأنه لا يأمن من بضعة مفكرين في مكتب ما أن يقرروا ما يجب أن يراه أو لا يراه المشاهد، لأن الرقابة الأمثل والمنطقية هي رقابة الجمهور الذي سيدخل إلى القاعة أو يخرج منها قبل انتهاء الفيلم.

يقول: المشاهد لا يحتاج أن تحميه، لأنه يحمي نفسه ولأنه مسؤول وصاحب قرار حر. ليس لأحد الحق بالتفكير عن المشاهد، لأني لا أكتب فيلما حسب مقاس جمهور معين بقرية معينة.

هذا ما جعل السينما الأفريقية مجهولة في أفريقيا نفسها. ويندد بذلك هوندو قائلا: السينما الأفريقية غير المشاهدة من طرف الأفارقة لا وجود لها.

فيلم "فاطمة.. جزائرية داكار" (Fatima, L’Algérienne de Dakar) المنتج عام 2004 هو فيلم محمد هوندو الأخير المقتبس من قصة واقعية، ففي صيف 1957 بالجزائر كان الضابط السينغالي التابع للجيش الفرنسي في مهمة لقمع الثوار في منطقة نائية. يصادف في طريقه فاطمة فيغتصبها وتنجب ولدا أسمر البشرة. بعد سنوات يطلب أبو الضابط المتدين من ابنه أن يصلح خطيئته، وأن يرجع إلى فاطمة ليتزوجها. فهل تقبل المغتصَبة بالمغتصِب؟

مورغان فريمان الذي تقمص دوره محمد هوندو مرات عديدة

 

مهنة الدبلجة.. عنصرية مُقنّعة

لولا دخول هوندو إلى عالم الدبلجة بفرنسا لما تمكن من المقاومة والاستمرار في فتح جبهات متعددة رفع فيها راية السينما المستقلة، فالدبلجة عالم مواز لمهنة الممثل بباريس لا يدخله إلا نخبة يتم اصطفاؤها بحذر لأنها حكر على لوبي معين يتعامل مع الأصوات الأجنبية بعنصرية سرية.

أهدى هوندو صوته إلى العديد من نجوم أمريكا وأوروبا من بينهم "إدي مرفي" (Eddy Murphy) و"بن كنغسلاي" (Ben Kingsley). كما عُرف بأدوار لشخصيات رسوم متحركة مثل تقمص شخصية القرد "رافيكي" في فيلم "الملك الأسد" (Lion King). وهي أدوار لشخصيات إما سمراء أو حيوانية رغم أن لسانه خال من اللهجة الأفريقية.

يقول في حديث سابق: عندما دبلجتُ الممثل الهندي البريطاني بن كينغسلاي في دور للمهاتما غاندي من إخراج ريتشارد أتانبورو (Richard Attenborough)، كان ذلك بديعا باعتراف كل أهل المهنة، لكن عندما يقوم نفس الممثل بدور أوروبي أو شخصية أمريكية بحتة فلست أنا من أدبلجه.

وهذا مثال بسيط وكاف لتلخيص مهنة الدبلجة بفرنسا وعنصريتها المقنّعة.

إن تقمص هوندو لأدوار "مورغان فريمان" (Morgan Freeman) و"إدي ميرفي" جعل منه نجما خفيا بأروقة المهنة دون أن يتعرف المشاهد الفرنسي العادي عليه بشكل واسع. ورغم بداياته مع عمالقة السينما لم يكن ذلك كافيا كمصداقية لباقي مخرجي الأجيال الفرنسية التي جاءت بعده.

 

الدبلجة.. قناع يحتجب هوندو خلفه

مثّل محمد هوندو في أدوار ثانوية، لكنها لم تكن بمقامه ولا بوزنه، فقد استُعمل لسد فراغ ولم يُستعمل كممثل يكتب وتُخرج الأفلام حسب مقاسه. فهل الممثل الأفريقي والعربي بفرنسا سجين الأدوار التي لا تخرج عن اسمه وشكله ولهجته؟ هل الممثل يُجبر على الإخراج حتى يقطف لنفسه أدوارا خارجة عن الكاريكاتير، أم أن الممثل العربي الأفريقي بحاجة إلى التحول إلى منتج كي يختار بنفسه السيناريو والمخرج اللذين يليقان به؟

لقد كانت الدبلجة عند محمد هوندو قناعا يُخفي وجه موريتانيته وأفريقيته وعربيته. ولم يكن يختلف عن ثوار أفريقيا، لذا كان الفتيلة والمفجر ودوي الانفجار للكلمة الصادقة التي يفزع الغرب من سماعها؛ ألا وهي حرية التفكير وحرية تنفيذ الأفكار. فلا بد للقناع أن يسقط، ولن يسقط ما دام العربي والأفريقي لا يلتقيان.

لئن كان صوت هوندو مقنّعا فإنه أعطى صوتا لكل الوجوه الأفريقية المنسية وجعل من البطل الأفريقي العربي أيقونة سينماه النضالية. فكيف تمكن الأفريقي من التخلص من لهجة الصحاري الموريتانية؟

لقد كان يتمرن يوميا بوضع حجار صغيرة بفمه والنطق بمفردات فرنسية بحثا عن سلاسة الحرف ونغمته. لذا فإننا عندما نعرف هذه النكتة الواقعية لا يمكن بعدها أن نستمع إليه دون سماع صوت الحجارة تصطك بفمه.

كانت طموحات هوندو أكبر من إمكانياته، فهو يعترف بعظم المهمة وصعوبة تجاوز الأسلاك الشائكة والمناطق الملغمة.

حاول التقرب من الممثلين الأفارقة الأمريكيين ظنا منه بأن نجوم أمريكا قد يهمهم الوضع السينمائي الأفريقي، فتقرب من الممثل داني غلوفر (Danny Glover) الذي أعجب بسيناريو عن شخصية "توسان لوفرتور" (Toussaint Louverture) من أصل جزيرة هايتي. لكن النجم الأمريكي اختفى ولم يرد على هوندو إلى الأبد.

فهل هناك صلة رحم باقية بين الأفارقة بالقارة الأم وأفارقة أمريكا، أم أن المحيط الأطلنطي يعزل نهائيا كل محاولة اندماج وتقرب؟

 

الزراعة والثقافة.. التوأمان

يؤمن هوندو بأن التقدم الزراعي والتقدم الثقافي توأمان لا ينفصلان، لأن البطن والدماغ كل منهما يكمل احتياجات الآخر. ولكن هل البطن الخاوي له الطاقة الكافية والرغبة في تأمل لوحة تشكيلية، أم أن البحث عن القوت هو الهاجس الوحيد الذي يسيطر على فكره؟ هل الراتب الذي يُصرف قبل نهاية الشهر يسمح للعامل أن يتذوق سينما المؤلف؟ فكيف للمخرج أن يصل إلى الجائع والفقير واليتيم بصور فيلم وأفكار تفتح لهم شهية التساؤل عن واقعهم الاجتماعي؟ لأن التطور الاجتماعي لا يمكن أن يتم دون أدمغة مشبعة بالعلم والفكر والفن.

لذا يلح هوندو على الدور الأساسي للسينما في تطوير الشعوب، ويذكر بتجربة "سامورا ماشيل" (Samora Machel) الذي فرض السينما كوسيلة ضرورية للتقدم.

كان "سامورا ماشيل" أول رئيس للموزمبيق بين 1975 و1986 بعد الاستعمار البرتغالي، لكن طائرة "ماشيل" تحطمت وتحطم معها الحلم الأفريقي، كما تحطمت كل أحلام "تشي غيفارا" و"مالكوم إكس" وأنصار حرية مصير الشعوب.

يعتبر فيلم "ساراوينيا" (Sarraounia) (1986) فيلما نسائيا عن شخصية مقاتلة أفريقية تحدت الجيش الفرنسي والضابطين فولي وشانوان (Voulet & Chanoine) عام 1899 بالنيجر.

تحمل الشخصية مزيجا من الخرافة والحقيقة، لكن هوندو أعطاها طابعا وحدويا أفريقيا (Panafricanisme) بعيدا عن الاحتقار الذي دوّنه أحد الضباط الذين عايشوا الواقعة واصفا إياها كساحرة بشعة ذات تأثير لاهوتي.

ما كان الفيلم لينجز بعد الرفض المفاجئ للرئيس النيجيري لتصوير الفيلم ببلده، فلجأ هوندو إلى "توماس سانكارا " الذي رحب بالفكرة وساعده في إنجاز الفيلم ببوركينا فاسو. ونال الفيلم أكبر جائزة في مهرجان فيسباكو بنفس البلد.

 

وداعا لصوت "مورغان فريمان".. رحيل من غير صخب

لقد مات المخرج الغاضب والمغضوب عليه محمد هوندو ودفن بالمغرب برغبة منه في البلد الذي تعلم فيه فن الطبخ، ولم يكرمه أي مهرجان عربي أو أفريقي بعد عشرة شهور كاملة من وفاته، مر فيها مهرجان فيسباكو ببوركينا فاسو ومهرجان قرطاج ومهرجان القاهرة، ولم نجد أي مدير فني أو مبرمج أو خادم في بوابة فندق بمهرجان يحرك ساكنا من أجل وجه الرجل الذي دافع عن حقوقنا جميعا وناضل من أجل مكان محترم للممثل العربي الأفريقي.

كان هوندو نقابيا نشطا قبل نشطاء فيسبوك، ومؤمنا بالنضال النقابي المنظم. انخرط طوال حياته في نقابة سي جي تي (CGT) الفرنسية اليسارية، وأضرب عن العمل في الدبلجة مع كل رفاق المهنة حتى تم الاعتراف بالمدبلج كمؤلف بحقوق مماثلة لأي مؤلف ككاتب السيناريو والمؤلف الموسيقي.

خالف التوجه السائد إزاء البشرة السوداء وما يُعرف بالفرنسية (La négritude) والفخر باللون، لأنه يعتقد أن هذا ليس فكرا سياسيا أو هدفا اجتماعيا. فهل نسيان هوندو مصدره اللوبي الغربي، أم أن هناك نية في عدم التقرب من اسمه ووجهه حتى لا يصب غضب الأسياد على التابعين والخاضعين لسينما الغرب؟

في فرنسا ذكر هوندو كثيرا بالصحافة، ونشرت له تعازٍ من جهات مختلفة، لكنها كانت في معظمها تنوّه بدوره كمدبلج لأصوات ممثلين أمريكيين مشهورين. حتى في التعزية لا يُذكر كسينمائي بل يذكر بعبارات مثل "مات صوت إيدي ميرفي الفرنسي"، أو "وداعا لصوت مورغان فريمان".. مع عناوين أخرى اقتصرت كلها على ذكره كظل وليس كنور مشرق.

ما زال هوندو الثائر المستمر يطارد ذاكرتنا الجماعية ويحرك فيها نغمة المقاومة العادلة، وعلينا الآن أن نبعث النور من جديد في صوره ونفتح له شاشاتنا التي سُدت في وجهه. وأحسن تعزية هي الاحتفال بالأفلام لأن الشخصيات السينمائية لا تموت أبدا.