بورتريه

نازك العابد.. جان دارك سوريا وأول عسكرية في الجيش

سنان ساتيك

دوّت المدافع الفرنسية وتطاير التراب، تسير نازك العابد بين الجرحى والقذائف تنهمر قربها، تتنقل لتطمئن عليهم وتداويهم وتشرف على مسعفي "النجمة الحمراء" وهي تراقب سير المعركة محاولة منع الفرنسيين من دخول دمشق، فلم تعلم أنه بعد سنين قليلة من هذه المعركة ستُغادر دمشق ولن تعود إليها إلا بعد الاستقلال.

الشابّة اليافعة المُتمردة

فتاة لم ترضَ الفرجة على الواقع المزري الذي ترزح تحته المرأة، فقد وُلدت عام 1898 سليلة عائلة ثرية، فوالدها مصطفى العابد، وهو أرستقراطي مكلف بالشؤون الإدارية في كيريك (وسط تركيا حاليا)، ثم عُيّن مبعوثا للموصل في عهد السلطان العثماني عبد الحميد الثاني؛ لذا تلقت تعليما جيدا بعدة لغات في المدارس التركية والأمريكية والفرنسية، وأتيح لها الدراسة في الجامعة، في خرق مجتمعي وتمرد عليه، والذي كان يطوّق المرأة داخل جدران بيتها ولا يسمح لها بالمشاركة في الحياة الخارجية.

تعلمت نازك اللغتين العربية والتركية في المدرستين الرشيديتين الدمشقية والموصلية، حيث كانت في الموصل شابة يافعة رأت تمييزا من بعض المعلمين، فنظمت احتجاجا جماعيا لطردهم، لكن النتيجة جاءت عكسية بطردها من المدرسة.

كما درست نازك اللغة الفرنسية في مدرسة الراهبات في الصالحية بدمشق، وتعلمت مبادئ اللغتين الإنجليزية والألمانية بجهودها الخاصة، واهتمت بفنون التصوير والموسيقى (البيانو) والتمريض والإسعاف، ودافعت عن الحريات المدنية.

تعلمت نازك اللغتين العربية والتركية في المدرستين الرشيديتين الدمشقية والموصلية

نور الفيحاء

تحت اسم مستعار كتبت نازك مقالات تدعو إلى منح المرأة حق التصويت، وناضلت في سبيل ذلك للمسارعة في فكّ القيود عنها، ونشرتها في مجلات عديدة منها "لسان العرب"، ومجلة صديقتها ماري عجمي "العروس"، وفي كلتيهما تطرقت نازك إلى المرأة وتحررها، وذلك كي تكون سيدة مجتمع مثقفة تقدر على إدراك ما يجول حولها.

أنشأت نازك مع ماري عجمي مدرسة بنات الشهداء سنة 1920 للاهتمام بأبنائهم، ومعها ومع فاطمة مردم وسلوى الغزي أسست جمعية "يقظة المرأة الشامية"، وجمعية "نور الفيحاء" وناديها ومجلتها، فأصبحت أول منظمة نسائية تضم نخبة نساء دمشق، والتي تدعو إلى نهوض المرأة وتثقيفها، وهي منظمة ذات هدف اجتماعي تربوي لتعليم السوريين ورعاية الشباب، أملاً في أن تُمكّن هذه الجهود الآخرين من تولي الأعمال السياسية التي مُنعت منها، كمل قدمت دورات اللغة الإنجليزية والخياطة للفتيات اليتيمات من ضحايا الحرب، ونظمت ورشات مهنية لهن لتعليمهن الصناعات اليدوية ومهناً يعتاشون منها.

استمر نشاط هذه الجمعية والفرنسيون يرون فيها -بعد احتلالهم سوريا- مُنافِسة لبرامجهم الثقافية والاقتصادية والاجتماعية، إذ كانوا يعملون على "فرنسة" سوريا، وذلك كي تكون سوقا لمنتوجاتهم يخدم برامجهم وسياساتهم الاستعمارية.

عسكرية من دون حجاب

تسببت نازك بالكثير من الاضطرابات في دمشق بنضالها ومطالبتها بحقوق المرأة لتكون ذات دور في المجتمع، لذا نُفيت مرات عديدة، فبعد الجامعة بدأت بالدفاع عن حقوق المرأة بتأسيس مجموعة تتبنى قضيتها وتحاول منحها حقوقها في عام 1914، وحثتها على أن تنال حق الاقتراع والتعليم الأفضل والاستقلال عن العثمانيين، فنفوها إلى القاهرة (النفي الأول)، حيث بقيت حتى انهيار الدولة العثمانية عام 1918.

شاركت نازك العابد في تأسيس فرع للصليب الأحمر الدولي في سوريا باسم جمعية "النجمة الحمراء"، والتي تحولت إلى الهلال الأحمر السوري. ولاحظت الحكومة جهدها المستمر والدؤوب فأسندت إليها إدارة ملجأ اليتامى، كما وضعت حجر الأساس لمشفى يضم مئة سرير، وراحت تختار أطباءه وممرضيه وموظفيه.

عندما جاءت لجنة "كينغ كراين" إلى سوريا لتقصّي الحقائق بشأن وضع الانتداب الفرنسي؛ قابلت نازك الدبلوماسيين الأمريكيين من دون حجاب، وذلك للإشارة إلى نيتها وجود حكم علماني في سوريا، وللإدلاء بشهادتها ضد الانتداب الفرنسي، وقد كانت متزعمة وفدا نسائيا ليُعبّر عن رغبتهن في سوريا أكثر ليبرالية وعلمانية.

كما أضحت نازك أول امرأة سورية تُصوّر بالزي العسكري ومن دون حجاب، لكنها عادت إلى ارتدائه بعد احتجاجات من المحافظين الذين اصطدمت معهم مرات عدة، لا سيما حين دعت إلى منح المرأة حق التصويت.

ثورة على الفرنسيين

سمح الملك فيصل لنازك العابد بالعودة بعد توليه عرش سوريا، وصارت مستشارة غير رسمية له، وبعد تخلّيه عن عرش سوريا واستعداد الفرنسيين لدخول دمشق رفضت تسليمها من دون قتال، فخرجت مع وزير الحربية يوسف العظمة إلى ميسلون.

حصلت نازك على رتبة عسكرية فخرية، حيث كانت برتبة نقيب شرف فصارت أول امرأة سورية تنال رتبة عسكرية. ووصفتها المقالات بعد المعركة بأنها سيف دمشق وجان دارك السورية. وكان للنجمة الحمراء (جمعيتها) إسهام في مداواة الجرحى في معركة ميسلون في يوليو/تموز 1920، وأصبحت سيدة فخرية للجيش السوري بعد القتال في المعركة.

ثم قادت نازك المظاهرات المطالبة برحيل قوات الاحتلال، وشرعت في التحريض للثورة والدعوة إلى الاستقلال والحرية لسوريا، فأغلق الفرنسيون جمعيتها وناديها ومجلتها.

نفي متكرر

نظر الفرنسيون إلى نازك على أنها خطر يتهددهم، وبأنها سوف تعرقل مشاريعهم الاستعمارية، فنفوها (النفي الثاني) ولم يسمحوا لها بالعودة إلا إذا تخلّت عن السياسة، فعفوا عنها عام 1921 وعادت إلى سوريا شريطة أن تتجنبها.

حولت نازك جهودها لضمان الحريات المدنية للجميع وحاولت اجتناب السياسة، فابتعدت عن مدينة دمشق وأقامت في غوطتها، متبنية الفتيات لتعليمهن وتهيئتهن ليكن سيدات فاعلات في المجتمع.

قيام الثورة السورية الكبرى وكون الغوطة معقلاً أساسياً للثوار؛ دفعا "جان دارك سوريا" للعودة إلى نشاطاتها السابقة، فاشتركت في دعمهم وتقديم المعونة لهم، وساعدت في تهريب المواد الغذائية والذخيرة إليهم، كما اهتمت برعاية الجرحى، فاستاء الفرنسيون منها وهددوا باعتقالها، وما لبثوا أن أصدروا أمراً بذلك فهربت إلى لبنان (النفي الثالث) عام 1922، حيث التقت وتزوجت المثقف والسياسي العربي محمد جميل بيهم.

استمرار النضال

في عام 1929 سافرت نازك مع زوجها إلى أوروبا لتغيير الصورة النمطية التي اعتمدتها عن العالم العربي، فساهمت في شرح النهضة النسائية العربية لا سيما في سوريا ولبنان، وذلك بكسرها التقليد الذي كان سائداً في المجتمع الغربي في الأوساط التي زارتها وشرحت فيها قضيتها، وأن المرأة الشرقية لها ريادة ستمكنها لاحقاً من أداء دور محوري في المجتمع.

في لبنان لم تتوقف نازك عن نشاطها لتحرير المرأة والدعوة إلى أخذ ريادة مستحقة في المجتمع، فأنشأت جمعية المرأة العاملة، والتي عملت على قضايا العمل لمصلحة المرأة، ودعت إلى منحها الحق في أيام الإجازة المرضية وإجازة الأمومة والأجر المتساوي للعاملات، وإلى التحرر الاقتصادي وسيلة للتحرير السياسي للمرأة، كما أسست ميتما لتربية بنات شهداء لبنان عام 1957، وذلك قبل وفاتها عام 1959.

أنشأت نازك لجنة مهمتها تثقيف الأم اللبنانية في مجالات الحياة كافة، وانتخبت عام 1959 رئيسة لها، وقد أقيم بهذه المناسبة أول احتفال بعيد الأم في لبنان.

استمرت نازك تقاوم الفرنسيين هناك، فأنشأت مع زوجها جمعية مكافحة البغاء عام 1933، وذلك رداً على التشريعات والقوانين التي حاول الاحتلال الفرنسي فرضها.

بعد الاستقلال عادت نازك إلى سوريا وكانت النساء حينها ينضممن للقوى العاملة

دعم فلسطين

اندلعت الثورة الفلسطينية الكبرى على البريطانيين على يد عز الدين القسام نتيجة السياسات الاستعمارية وتمكين الصهاينة من السيطرة على الأرض، والتي استمرت من 1936 حتى 1939، فكانت ثورة تعاطف معها العرب جميعا ودعموها، لذا شاركت "سيف دمشق" في المؤتمر النسائي العربي في القاهرة في 12 أكتوبر/تشرين الأول 1938 الذي عُقد لدعم القضية الفلسطينية والثورة الكبرى.

في هذا المؤتمر عرّت نازك خطر الصهيونية العالمية على كيانات المنطقة واقتصاداتها، وتحدثت عن تهويد فلسطين، كما تحدثت عن الدور البريطاني في دعم الحركة الصهيونية.

وبعد النكبة أسست نازك جمعية لمساعدة اللاجئين الفلسطينيين وتقديم المعونة لهم في التهجير الذي لم ينته.

آمال تحققت

بعد الاستقلال عادت نازك إلى سوريا وكانت النساء حينها ينضممن للقوى العاملة، ويخرجن في الأماكن العامة وحدهن ويكشفن عن وجوههن. ليس الأمر على إطلاقه، لكنهن كن باديات في الشارع.

عقد من الزمان يمرّ، فتبدأ المرأة بالانتخاب في البرلمان، وبذلك تتحقق جهوده نازك النضالية التي استمرت فيها عقوداً تدافع عن المرأة وتنصر قضاياها.