بورتريه

نجيب محفوظ.. لكل بداية نهاية

 

في مثل هذه الأيام قبل نحو 31 عاما حصل الأديب المصري نجيب محفوظ على جائزة نوبل في الأدب، وبهذه المناسبة تفتح الجزيرة الوثائقية ملف هذا الأديب بما له وما عليه في أربع حلقات، وفي الحلقة الرابعة والأخيرة بعنوان "النجيب.. حكاية بلا بداية ولا نهاية" نروي وقائع محاولة اغتياله، وآخر إنتاجاته القصصية التي استغرقت منه عشر سنوات، وصولا إلى اللحظات الأخيرة في حياته.

حبيب مايابى

"أقمت حياتي في الدنيا على أساس الحب؛ حب العمل، وحب الناس، وحب الحياة، وأخيرا حب الموت" نجيب محفوظ.

في 30 من أغسطس/آب 2006، كان نجيب محفوظ قد ودّع عالم الحياة الذي أحبه كثيرا وعمل من أجله بإخلاص وجهد لا يتوقف.

وخلال مساره في الكتابة والتأليف، ترك ما يربو على 50 رواية كان حاضرا في كل أحداثها، ويختار لها النهايات التي تناسبها. لكن نهاية قصته في الحياة لم يكن شريكا في تفاصيل أحداثها، وإنما بقيت بعده للرواة والمهتمين بتاريخ الثقافة والإبداع.

وضمن سلسلة نجيب محفوظ التي أنتجتها الجزيرة الوثائقية جاءت الحلقة الرابعة والأخيرة بعنوان "النجيب.. حكاية بلا بداية ولا نهاية" لتروي حكاية خروجه من الحياة، والأحداث التي عاشها في آخر عمره.

 مع شلة الحرافيش

بعد أن توّجه العالم بأهم جوائز الإبداع، بدأت الحكومة المصرية تشعر بواجبها تجاه أحد الذين رفعوا رايتها وسط الزحام الثقافي في العالم، فمنحت نجيب وسام قلادة النيل سنة 1988 من طرف الرئيس حسني مبارك، وهو أعلى وسام في الدولة يمكن أن يحصل عليه مصري كسب الرهان وتفوق في مجاله.

وكان من الصدف والأقدار أن ذلك الوسام تصدر قائمة الذين حصلوا عليه رائد علم طب النساء في مصر نجيب باشا محفوظ، وهو الطبيب الذي ساهم في ولادة الأديب وسماه أبوه باسمه عرفانا بالجميل وتقديرا للدور الذي قام به في جعل ولده يدخل عالم الدنيا.

وكان نجيب له جلسات ومسامرات مع مجموعة من ندمائه وخُلّصه في مجموعة الحرافيش، وهي ناد من الأدباء تأسس منذ أربعينيات القرن الماضي، ويضم مجموعة من رموز الثقافة والفن في مدينة القاهرة.

وفي حديثه للوثائقي قال عضو المجموعة زكي سالم: ضم الحرافيش مجموعة من الأدباء من ضمنهم أحمد مظهر، والكاتب الساخر محمد عفيفي، ومجموعة أخرى من رموز الساحة الأدبية.

وخلال مسيرته، تعود محفوظ أن يكون حاضرا ومشاركا في الجلسات والندوات التي ينظمها أعضاء تلك المجموعة مع المثقفين بمختلف مشاربهم ونزعاتهم الفكرية.

وأضاف زكي سالم أن محفوظ في تلك اللقاءات لم يكن يحضر مع المثقفين والكتاب فحسب، وإنما كان يلتقي مع جميع الناس، لأنه كان يحب أن يسمع من الجميع.

خلال مسيرته، تعود محفوظ أن يكون حاضرا ومشاركا في الجلسات والندوات

الأديب الملحد

وفي تلك الفترة التاريخية، كانت الساحة المصرية تشهد مسلسلا من الصراعات بين جماعات الإسلام السياسي والحكومة المصرية.

وقد كانت انتقادات الإسلاميين للحكومة لا تستثني شيئا من الأحداث التي تدور في الدولة، سواء على الصعيد السياسي أو الثقافي.

يقول الكاتب الصحفي مؤمن المحمدي: جماعات الإسلام السياسي -وخصوصا الذين لهم فكر أصولي- كانوا يتعاملون مع الدولة باعتبارها كافرة وعلمانية.

ذلك التباين في الأفكار بين الدولة والجماعات ذات المرجعية الأصولية، نتجت عنه أحداث من الاغتيالات ومحاولات القتل التي يرى القائمون عليها بأنها نوع من الجهاد والدفاع عن الحرم الديني وثوابته.

ويقول الكاتب والمؤرخ حلمي النمنم: التيارات المتشددة عندما فشلت في الوصول إلى الشخصيات السياسية في الدولة، توجهت نحو أعلام الكتَبة والمثقفين.

وفي تلك الحملات التي قام بها محسوبون على الجماعات الإسلامية، اغتيل الكاتب والمفكر فرج فودة رميا بالرصاص، وذلك بعد محاضرة له في إحدى الندوات التي كان يتحدث فيها عن الحاجة إلى الدولة المدنية.

ويذكر محامي الجماعات الإسلامية علي سباق أن الجماعات الدينية كانت تُعِد قوائمَ بأسماء الشخصيات التي تنشر آراء تمثل نوعا من الاعتداء على الدين والذات الإلهية وعلى الأنبياء والرسل، من أجل أن ينالها العقاب الذي لقيه فرج فودة.

ولم تكن الحكومة المصرية حينها مهتمة بمحاربة ذلك الفكر الذي يتميز بنزعته التشددية، لأنها كانت منشغلة بتمتين قبضة الحاكم فقط.

يقول الكاتب حلمي النمنم: كان نظام حسني مبارك يترك للجماعات الإسلامية مساحات تنفُذ منها، حيث لم يكن يمانع في اغتيال الشخصيات الفكرية والأدبية، وإنما كان الخط الأحمر بالنسبة له هو دائرة حكمه.

وفي سبيل محاربتها لمن يطلق حرية الرأي والتعبير في المنظومة العقدية، صَنّفت التيارات الجهادية نجيب محفوظ بأنه يقوم بمحاربة الدين وحمل لواء العداء تجاهه.

ويرى أستاذ العلوم السياسية معتز بالله عبد الفتاح أن الجماعات التكفيرية كانت تنظر لبعض الأشخاص بأنها عرفت حكم الله وامتنعت عنه، وأن نجيب محفوظ كان بالنسبة لهم واحدا من تلك الفئة التي علمت شرع الله وعملت على معاداته.

ويقول الروائي عمار علي حسن: المرجفون في الساحة المصرية دفعهم الحقد والحسد إلى بث الإشاعات التي تروج إلى أن نجيب محفوظ حصل على جائزة نوبل للآداب لأنه قد أضر بالإسلام.

وعند تجدد الحديث عن رواية أولاد حارتنا بعد حصول صاحبها على الجائزة بدأ الشيوخ والقراء يعيدون البحث عنها، وأخذت أقلامهم في الرد على صاحبها متهمين إياه بالخروج عن الملة، واعتبر كثير من العلماء وأتباعهم أنها تأليف شيطاني لا يجوز لصاحبه أن يحصل على مكافأة أو إشادة.

اتهمت الجماعات الإسلامية نجيب محفوظ بالخروج عن الملة حتي تعرض لمحاولة اغتيال

محاولة اغتيال

وبعدما تصدى لها الشيخ محمد الغزالي في نهاية الخمسينيات، كان الشيخ عبد الحميد كشك والشيخ عمر عبد الرحمن من أبرز الوجوه الدعوية التي تصدت لرواية أولاد حارتنا، بعدما قال أعضاء لجنة نوبل إنها في طليعة الأعمال الأدبية التي حصل بها محفوظ على الجائزة.

وفي تسجيل صوتي للشيخ عبد الحميد كشك، اعتبر أن نجيب محفوظ تجاوز حدود شرع الله وطعن الشعب المصري في دينه، حيث خرج عن الأخلاق العامة وأشاع بين الناس ما لم يكن معروفا في تقاليد المسلمين وأدبياتهم.

وكان الشيخ عمر عبد الرحمن قد أفتى باستحلال دم محفوظ معتبرا إياه محاربا للإسلام خارجا على مقدساته.

وبعد تلك الفتوى عرضت وزارة الداخلية على الأديب وحدة من الحراسة ترافقه في منزله وجولاته، لكنه رفض ذلك مع تثمينه للموقف.

ولم يكن الحس الأمني لوزارة الداخلية نابعا عن عبث أو تهويل، لأن الفتوى بالنسبة لعدد من المنخرطين في التيار الإسلامي رفعت الحرج وأزالت الشك.

وقد كلّفت الجماعة الإسلامية الشاب محمد ناجي البالغ من العمر 21 عاما بمراقبة محفوظ وترصده، بعدما أقنعوه أنه مرتد ويدعو للفسق والفجور في رواياته الكثيرة.

ويرى الروائي ومؤلف كتاب في حضرة نجيب محفوظ محمد سلماوي أن الوصول للأديب لم يكن عسيرا رغم شهرته وعالميته، لأنه كان يعيش بين الناس كشخص بسيط.

وفي 14 أكتوبر/تشرين الأول 1994 حيث الذكرى السادسة لحصوله على جائزة نوبل، كان محفوظ –وقد تجاوز الثمانين بقليل- يخرج من منزله في الساعة الخامسة عصرا رفقة الأديب فتحي هاشم، وبعدما جلس في مقدمة السيارة بجانب سائقها، كان الشاب محمد ناجي قد أومأ إليه من نافذة السيارة، وبسرعة وحِرفية غرس السكين في وريد رقبته، وهرب مع صاحبه على متن دراجة بخارية.

وإثر الجريمة المفاجئة، توجه فتحي هشام بالسيارة نحو مستشفى الشرطة الذي كان يقع قريبا من الحي الذي وقعت فيه الحادثة.

وبعد دقائق معدودة كان الأديب في المشفى يتلقى الإسعافات، وعلى عجل أدخل في غرفة العمليات التي بقي فيها من السابعة مساء حتى الواحدة صباحا، ليعود له وعيه بعدها ويفيق من هذا الكابوس المزعج.

وقد جاء لعيادته كثير من الكتاب والمثقفين الذين امتلأت بهم ممرات المستشفى، حتى أوشك المنظر أن يكون مظاهرة على حد تعبير زكي سالم.

ولم يكن زُوّار محفوظ في المستشفى من الكتاب والأدباء فحسب، بل كان في طليعة زواره الشخصيات السياسية والمقربون من القصر، ومعهم سوزان مبارك زوجة الرئيس.

يقول مسؤول التحقيق في قضية اغتيال نجيب محفوظ المستشار أشرف العشماوي: منفذ العملية لم يكن يعرف الاسم الكامل والحقيقي لنجيب محفوظ، ولم يقرأ رواية أولاد حارتنا.

الشاب محمد ناجي حاول اغتيال محفوظ في سيارته وبسرعة وحِرفية غرس السكين في وريد رقبته وهرب

أدب جديد

وبعد ثلاثة أشهر من الحادثة تم القبض على متهمين آخرين وأُحيلوا للقضاء العسكري، وصدر بحق اثنين منهم حكم الإعدام.

أسِف محفوظ على ذلك الشاب الذي صدر فيه حكم الإعدام، واعتبره ضحية لمجرمين آخرين لعبوا بعقله وكانوا سببا في ارتكابه الجريمة.

وبعد أن تماثل للشفاء وخرج من المشفى، كانت العملية تركت آثارا سلبية على صحته، إذ لم يكن قادرا على الكتابة بيده اليمنى، كما أن سمعه قد ظهرت فيه مشاكل لم يكن يعاني منها من قبل.

يقول الطبيب النفسي وأحد أعضاء شلة الحرافيش الدكتور يحيى الرخاوي إن محفوظ بعدما عجز عن الكتابة بيده اليمنى، انزعج كثيرا لأنه لم يعد قادرا على ممارسة مهنته بشكل كامل.

بدأ من جديد يتعلم الكتابة انسجاما مع وضعه الصحي، فقاده ذلك إلى تأليف مجموعة قصصية قصيرة عنونها بـ"أحلام فترة النقاهة" التي استمر في كتابتها عشر سنوات من عام 1996 حتى سنة 2006.

ويعتبر جمال الغيطاني أن تلك الرواية كانت عبارة عن خلاصة تجربة نجيب محفوظ في الكتابة. ويرى الكاتب حسين حمودة أن تجربة محفوظ لخصها في ثلاث عبارات "بنيت حياتي على ثلاث: حب العمل، وحب الحياة، والآن أحببت الموت".

منحت الدولة نجيب وسام قلادة النيل سنة 1988 وهو أعلى وسام في الدولة

عثرات الحياة

وفي سنة 2006، كان نجيب محفوظ يتابع أخبار القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان بكل اهتمام، وذات صباح من صباحاته التي يخرج فيه ليرى أحوال الشارع والناس، تعثر في الطريق الذي يؤدي لمنزله ووقع على الأرض، فنقل إلى المستشفى ليبدأ رحلته الأخيرة نحو النهاية.

وعبر تاريخه الحافل بالتأليف اختار محفوظ النهايات التي كان يراها مناسبة لشخوص روايته التي استمدها من الواقع والتاريخ، لكنه في 30 أغسطس/آب 2006 رحل عن الحياة قبل أن يكتب نهايته، فبقيت للرواة والموثقين.

انتشر الخبر في مصر ففُجع به الجميع، وفي موكب رسمي يتقدمه الرئيس المصري حينها حسني مبارك، خرجت الدولة في توديع الأديب إلى مثواه الأخير. وجاء التأبين والتعازي من داخل البلاد وخارجها لشخص يعتبره غالبية المصريين رمزا للإبداع والتنوير.

وبعدما ووري الثرى، بدأ له عهد جديد من الحياة، فما مات من أبقى ثناء وذكرا مخلدا.