تقارير

العصر الذهبي للعلوم.. ثورة علم الفلك التي أسست لغزو الفضاء

 

سناء نصر الله

من أجل فهم طبيعة الكون والفضاءات الخارجية حولنا بما تحويها من النجوم والأجرام السماوية، ولتفسير الظواهر الكونية لا بد من المعرفة والابحار في علمي الفيزياء والفلك، التي اهتم بها الإنسان منذ القدم.

في هذا الفيلم ينطلق البروفيسور جمال خليلي المتخصص بالفيزياء من صحراء دولة قطر مستعينا بجهاز ملاحة إلكتروني أثناء المسير، ليلتقي برجل الأعمال سلطان الهاجري، وهو رجل بدوي عرف الصحراء وعاش غمارها، أما الرابط في هذا اللقاء فهو أن معرفة النجوم والطرق شكلت حاجة ماسة عند البدو على مر العصور للقدرة على العيش في تلك الصحراء الواسعة.

 

"لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر".. دليل الزمان والمكان

يتساءل جمال كيف يمكن السير بالدقة في هذه الأرض؟ يجيب الهاجري بأن هناك توقيتين مختلفين، ففي النهار يهتدي بالشمس أما بالليل فيهتدي بالنجوم، حيث أن نجم الجدي يكون في الشمال، وهناك نجوم أخرى متفرقة في السماء كنجم سهيل والجوزاء والثريا، وكلها أسماء عربية معروفة.

لعب علم الفلك دورا مهما في قياس الوقت فمثلا في التقويم القمري الإسلامي تحدد بدايات ونهايات الشهور عن طريق أطوار القمر ومنازله.

وقد ازدهرت خلال العصر العباسي الأول العلوم عند العرب ودرسوا حركات القمر وحددوا التقويم بدقة، وعند المقارنة بين التقويم الميلادي والهجري تتقدم السنة القمرية 11 يوما كل عام مقارنة بالسنة الشمسية، وعليه يحل شهر رمضان في كل فصول السنة، وتكتمل هذه الدورة كل 33 سنة. فعلى سبيل المثال، إذا حل شهر رمضان في شهر يناير/ كانون الثاني يعود مرة أخرى لنفس الشهر بعد مرور33 عاما.

في هذه الأيام يستطيع أي إنسان التظاهر بمعرفة الفلك عن طريق تطبيق على جهاز لوحي، حيث يظهر السماء بحالتها ليلا ومواقع النجوم، ويوضح تفاصيل خرائطها فقط بمجرد رفع الجهاز نحو السماء يعرف الطريق والوجهة، وهذا موازٍ تماما للخرائط والجداول الفلكية القديمة.

الأزياج هي جداول فلكية تحسب مواقع الكواكب السيارة والنجوم الثابتة في السماء

 

"زيج الممتحن".. هبة المأمون لعلم الفلك

عاش الخليفة المأمون في القرن التاسع الميلادي، وكان مولعا بالعلوم شغوفا للمعرفة، فأوكل لمجموعة من علماء الفلك بإعداد زيج جديد (جداول فلكية)، فلقد كانوا يمتلكون جداول إغريقية قديمة، لكنه أراد تصحيح المعلومات فيها وتحديثها والخروج بقياسات أكثر دقة، فقام العلماء بإعداد مخطط فلكي جديد عرف باسم "زيج الممتحن".

وفي القرن السابع الميلادي اتسعت رقعة العالم الإسلامي وامتدت خارج الجزيرة العربية من آسيا شرقا إلى الأندلس غربا، ولفتح تلك الدول كان لزاما عليهم معرفة الطرق البرية والبحرية.

كان الفلكيون قديما يرسمون خرائطهم مستعينين بوصف الرحالة، فمثلا "بطليموس" وضع قوائم تضم أكثر من ثمانية آلاف من الإحداثيات الجغرافية التي تفصل مواقع المحيطات والتضاريس والمعالم والمدن، وفي القرن التاسع الميلادي أمر المأمون بوضع خريطة للعالم وإجراء تحسينات على بيانات "بطليموس".

نموذج خريطة العالم في متحف تاريخ العلوم بإسطنبول والتي ساعدت الرحالة المسلمين على الإبحار والتنقل في البلدان

 

خريطة القرن التاسع.. إعجازات العصر الذهبي

ينتقل بروفيسور جمال إلى مدينة إسطنبول التركية التي تعتبر واحدة من أهم المدن العالمية عبر التاريخ، هنا بجوار بحيرة مرمرة في الشق الأوروبي الذي تقابله آسيا في الطرف الآخر، وتحديدا في متحف العلوم والتكنولوجيا للعصر الإسلامي التقى بالبروفيسور "ديتليف كوينتيرن" العالم بالجغرافيا القديمة.

أمامهما الآن خريطة العالم زمن المأمون التي أنجزت في الثلث الأول من القرن التاسع في بغداد، وتوضح الخريطة خطوط الطول والعرض والارتفاع لبغداد ومدن أخرى حديثة لم تكن في عصر "بطليموس" مثل مكة المكرمة، لقد أضافوا كثيرا من الإحداثيات في بواكير العصر الذهبي وذروة النهوض للدولة الإسلامية.

قد لا تبدو الخريطة للوهلة الأولى خريطة العالم، لأن العلماء ارتكزوا على الجنوب وجعلوه مرجعا فكانت أفريقيا تظهر في أعلى الخريطة، ولكن إذا قلبت أصبحت ما نعرفه الآن.

ومما ميز تلك الخريطة الدقة في إظهار معالم البحر المتوسط وشواطئه، وقد استخدمت الخريطة في الفتوحات الإسلامية وتقدم المسلمين نحو أوروبا، وقد استعان العلماء بالأسطرلاب لأخذ قياسات بهذه الدقة.

يضم متحف الفن الإسلامي بالدوحة عدد كبيرا من الأسطرلابات العربية ذات الاستخدامات المتعددة

 

الإسطرلاب.. مختبر النجوم الإغريقي

في متحف الفن الإسلامي بالدوحة تقوم الدكتورة نور خان بإعطاء نبذة عن مجموعة من الأسطرلابات النادرة التي يعود عمرها لمئات السنين، وتوضح أهم خصائصها.

لقد كان للأسطرلابات أهمية كبيرة ويعود تاريخها لنحو 300 عام قبل الميلاد، والأسطرلاب كلمة إغريقية تعني الإمساك بالنجوم أو مختبر النجوم، وقد كان لهذه الآلات وظائف بسيطة، ولكن في العصر العباسي الأول طورها علماء المسلمين، حتى كانت بمثابة أجهزة الكمبيوتر في هذا الزمن، فقد كانت تحدد ساعات الليل والنهار ومواقيت الصلاة والاهتداء إلى الطريق، كما كان يقاس بها ارتفاع المباني والمسافات، وهذا فيض من غيض لاستخداماتها المتعددة، وقد صممت لتعمل بدقة متناهية بمواقع عدة.

وفي القرن السابع عشر تطورت الأسطرلابات كثيرا، وكانت تتكون من عدة صفائح وكل صفيحة منقوشة من الوجهين بحيث تثبت الصفائح قرصية الشكل، ويتعين بعد ذلك ضبط صحن الشبكة، واستخدمت كل صفيحة لمدينة بعينها، ولتمثيل حركات النجوم بيانيا ومعرفة مواقع النجوم والشمس، ويحتاج استخدام هذه الآلة دراية جيدة بعلم الفلك.

إيراتوستينوس قيم مكتبة الإسكندرية يقيس بطربقة فريدة محيط الكرة الأرضية من خلال فرق طول الظل في مدينتين

 

المأمون.. الخليفة العالم

في هذا العصر استبدل العلماء الإسطرلاب بأدوات متعددة أكثر حداثة وتطور مثل التلسكوب العملاق "ليفيرو رديو" في مرصد جودريل بنك في المملكة المتحدة، وعلى غرار نهج علماء العصر العباسي فإن علماء العصر الحديث يتعاونون فيما بينهم لإنجاز الأعمال العلمية بالاستعانة بهذا التلسكوب العملاق الذي يقوم بالتقاط الضوء من خلال طبق ضخم يقوم بتجميع نبضات ضعيفة جدا من أعماق الفضاء، وهو ما يمكن العلماء من تحديد المعالم ورسم خرائط كونية أكثر دقة.

يقول مدير المرصد "تيم أديريان": هذا التلسكوب الراديوي يرصد الكون غير المرئي الذي لا يمكن رؤيته بالعين المجردة، أي ما بين النجوم.

ويوضح "تيم" صورة لنجم صغير في مجرة درب التبانة اسمه "أتش أل تاو"، ويحيط بهذا النجم قرص مكون من غاز وغبار، والمثير للاهتمام تلك الدوائر السوداء التي حوله، إذ يعتقد العلماء أنها تشكلت بفعل حركة الكواكب داخل هذا القرص، وقامت بكنس الغاز والغبار محدثة فراغات بينية.

تبعد هذه النجوم عنا آلاف السنين الضوئية، وتوجد مليارات منها في مجرتنا، وللحصول على تلك الصورة الدقيقة لا بد من دمج نبضات كثيرة تُلتقط من مجموعة من تلسكوبات راديوية يوجد الكثير منها في العالم، كما أن هناك خارطة توضح موقع التلسكوبات الراديوية في أوروبا وأمريكا وصولا إلى الصين.

ويقوم العلماء بربطها بمركبة فضاء روسية تدور حول الأرض وكل منها يجمع بيانات معينة، ثم تتضافر الجهود لعمل مشترك، ويعود مبدأ التعاون بين العلماء للعصر العباسي الأول في بغداد، حيث كانوا يتعاونون لحل المعضلات الكبرى التي تواجههم في دراسات علم الفلك، فسنّوا وأرسوا هذا المفهوم الإنساني العميق الذي يؤسس للنهوض بالبشرية جمعاء.

بقايا مرصد مراغة الذي بناه الطوسي بدعم من المغول ووضع فيه نصف مليون كتاب من كتب بغداد بعد اجتياحها

 

مرصد مراغة.. علم الفلك ينجو من بطش المغول

كان مرصد مراغة في العصر العباسي أحد أهم المراصد، وقد نشأ على يد العالم الفلكي نصير الدين بن حسن الطوسي عام 1259 م في بلاد فارس بعد غزو المغول الذين استولوا على قلعة الموت المحصنة حيث كان يعكف الطوسي على دراساته.

لكن الطوسي بذكائه وحنكته استطاع إقناع "هولاكو خان" ليس فقط بالإبقاء على حياته بل ببناء مرصد، واعدا إياه بعمل خريطة فلكية تساعده في تحديد الأيام المواتية للحرب، فبات مراغة أهم مرصد في ذلك العصر، خصوصا أنه نقل قرابة نصف مليون كتاب من بغداد بعد أن غزاها المغول.

أما ما طوره العلماء في مراغة فهو علم حساب الكواكب وتقاويمها وحركة أفلاكها، وقد أثر ذلك في علم الفلك لقرون لاحقة، وقد عكف الطوسي على محاولة إيجاد تفاسير لكيفية حركة النجوم والكواكب، ومحاولة تطوير آليات حسابية تجعل من تلك الحركات أمرا منطقيا ذا مدلول.

"مزدوج الطوسي".. نواة ثورة "كوبرنيكوس"

اعتقد الإغريق أن الأرض هي مركز المجموعة الشمسية بجعل النموذج الحسابي يتفق مع المشاهدات التي رصدوها لحركة الكواكب كما بدت في السماء، وكان عليهم وضعها في نموذج مع تلك التفاصيل المعقدة، لذا أصبح النموذج فوضوي المظهر.

هنا تجلت عبقرية الطوسي المعروفة بـ"مزدوج الطوسي" وهي دائرة صغيرة تدور في دائرة كبيرة بشكل مستقيم من الأعلى للأسفل، وقد أدت إلى تبسيط الكثير من المسائل الحسابية المعقدة ونقل الحركة الدائرية إلى حركة خطية، وهو مبدأ عمل عمود الكرنك في السيارات، والمذهل هو تطابق ما كتب باللاتينية مع العربية.

أما الحروف المعنونة فكانت بالأبجدية العربية مما يدل على أن من رسم هذا الرسم كان على دراية بمزدوج الطوسي، ومن رسم هذا هو أبو العلم الحديث العالم "كوبرنيكوس" الذي اكتشف أن الكواكب تدور حول الشمس، وقد فجرت إسهاماته ثورة في العلم الحديث الذي استند فيها لنظرية الطوسي، وهذا دليل على استمرارية العلم، وأن كوبرنيكوس مدين لعلماء المسلمين.

طريقة المأمون لقياس محيط الأرض والتي كلف بها أولاد الفلكي موسى بن شاكر وأجريت في صحرا ء سنجار

 

تحديد اتجاه القبلة.. إلهام علم المواقيت والجغرافيا

كان الإسلام السبب الرئيسي وراء العديد من الاكتشافات والنظريات التي ظهرت في العصر العباسي، إذ كانت هناك حاجة ملحة لمعرفة مواقيت الصلاة وتحديد اتجاه القبلة ومعرفة المناسبات الدينية وفق التقويم القمري، ولتحديد اتجاه القبلة التي هي همّ المسلمين الأول، برع العلماء في رسم الخرائط، ومع اتساع رقعة الإسلام من الهند شرقا إلى الأندلس غربا باتت تلك قضية تستوجب البحث والنقاش.

وقد أثبت علماء المسلمين أن الأرض ليست مسطحة، لذا فإن تحديد القبلة سيختلف في الحالة الكروية للأرض من الحالة المسطحة، فقرروا تطوير فرع جديد في علم الرياضيات سمي بالهندسة الكروية، وكان في وقتها تطورا عظيما لكن توجب عليهم معرفة حجم الأرض.

في الماضي قدم الإغريق تقديرات عديدة، وكان أسلوبهم ذكيا ولكن غير مكتمل، وقد انطوى على قياس زاوية الشمس في وقت معين من النهار ثم السير بخط مستقيم باتجاه محدد، إلى أن تتغير الزاوية بواقع درجة واحدة، وبعد ذلك كان عليهم حساب المسافة الواجب قطعها كي تتغير الزاوية بواقع 360 درجة لتقديم قياس لمحيط الأرض.

أمر المأمون بتكرار هذه التجربة ولكن كان يتعين السير في الصحراء القاحلة أكثر من مئة كيلومتر، كما أن هذا الأسلوب قد يحتمل الخطأ، لكن في القرن الحادي عشر ابتكر عالم الفلك المسلم أبو الريحان البيروني أسلوبا أكثر دقة في حساب حجم الأرض، وكان يتعين عليه تسلق جبل مطل على الأفق من أجل تطبيق التجربة.

نشاط فلكي لطلاب مدارس في دولة قطر سنة 2017 يطبقون فيه طريقة البيروني في قياس نصف قطر الأرض

 

حساب محيط الأرض.. ثورة البيروني

كان أبو الريحان البيروني غزير الإنتاج وقد أثار جدلا حول حركة الأرض وقدم شروحات حول حساب حجمها في كتابه "تحديد الأماكن لتصحيح مسافات المساكن"، فقد قام بقياس ارتفاع الجبل بداية، وبعد ذلك صعد لقمته وبواسطة الأسطرلاب والشاقول قام بقياس درجة الميلان من الخط الأفقي وحتى نهاية الأفق وكانت فقط نصف درجة.

تحلى البيروني بدقة متناهية واستغل براعته بالهندسة لحساب محيط الأرض، وقام بتخيّلها تحته وعلى قمة الجبل قام برسم خط من رأس الجبل حتى مركز الأرض، والخط الآخر من نقطة تماس الأرض مع نهاية الأفق فحصل على مثلث قائم الزاوية، والزاوية التي قام بقياسها هي نفس زاوية مركز الأرض وبهذا حصل على معطيان، معطى مقدار الزاوية ومعطى ارتفاع الجبل.

وقد استخدم حسابات هندسية استطاع بها حساب نصف قطر الكرة الأرضية، وبضرب الرقم بالنسبة بين المحيط والقطر حصل على القيمة الكاملة لمحيط الأرض، وقد حصل على نتيجة أقل من 1% من القيمة الدقيقة المعروفة لنا اليوم، أي حوالي 40 ألف كيلومتر، وهو أمر مذهل حقا.

من السهل الاعتقاد أن علم الفلك ذهب في سبات بعد الإغريق إلى أن جاء "كوبرنيكوس" في القرن الخامس عشر، لكن الحقيقة أن علم الفلك استمر في التطور في العصر الإسلامي، وقد بنى علماء عصر النهضة الحديثة علمهم استنادا لعلماء عظماء وهبوا أنفسهم للعلم مثل البيروني والطوسي، وكانوا المنارة التي أضاءت ومهدت لهذا التطور، لذا فإن العلم مدين لهم.

ذات صلة

المجموعة الشمسية.. عائلة الشمس التي تسبح في فلكها
نقد سينمائي

المجموعة الشمسية.. عائلة الشمس التي تسبح في فلكها

رغم أن أكثر نجوم المجرو والنجوم المجرات الأخرى تمتلك أنظمة كوكبية كنظامنا الشمسي، إلا أننا تميزنا في هذا الكون بالوعي والإدراك، ولا يزال البحث جاريا عن حياة عاقلة أخرى في هذا الكون.. فهل سننجح بالعثور على واحدة هناك؟؟

الثقب الأسود.. كيف صوّره العلماء رغم أنه أسود؟
نقد سينمائي

الثقب الأسود.. كيف صوّره العلماء رغم أنه أسود؟

في العاشر من شهر أبريل/نيسان الجاري نجح فريق من علماء الكونيات في التقاط أول صورة حقيقية لثقب أسود يسكن قلب مجرة (M87) الواقعة في عنقود عملاق من المجرات في برج العذراء. فالثقب الأسود هو اللغز الذي لطالما كان أمر تصويره من المستحيلات لأنه أسود اللون ولا يشع بأي نور. فما هو الثقب الأسود وكيف التقط العلماء الضوء منه؟