تقارير

حسني مبارك.. الرحيل الأخير لـ"بطل" أكتوبر وصديق تل أبيب

 

أمين حبلّا

رحل مبارك ودخل السجن بعد ثلاثين سنة من الحكم المفتوح والسلطة المحكمة، حين تعالت ذات صباح صيحات الرحيل تملأ سمع النيل، وتجاوزت شموخ الأهرامات قبل أن تجرف الرئيس محمد حسني مبارك الذي لم يكن ينوي مغادرة السلطة، ولكن رياح الثورة وصيحات الجماهير الغاضبة وحصاد السنين المترعة بالألم والجوع أخرجت المصري "الغلبان" ليردد مع الثائرين "الشعب يريد إسقاط النظام.. ارحل".

رحل مبارك وامتد به الرحيل على مدار سنوات عشر قبل أن تبدأ رحلة أخرى نحو العالم الآخر، بعد أن استنفد الرئيس الثالث لمصر "الثورية" حصيلة عمره وخطوات حياته التي تجولت في دروب متعددة انتهى عدادها عند 91 سنة. طويت صفحة الحياة، لكن صفحة مبارك لا يمكن طيها من تاريخ مصر، فهو المؤسس الثاني لمصر الناصرية، أو مصر ما بعد الملك فاروق.

 

ابن المنوفية.. ميلاد في دلتا النيل

ينتمي مبارك إلى محافظة المنوفية، إحدى محافظات الدلتا شمالي مصر، فقد ولد الرجل الطويل القامة الواسع الجبهة بين المزارع والحقول الواسعة، والمناجل التي تحفر الأرض الصلبة بذرا للآمال وبحثا عن رزق سائب في أعماق الأيام، سعيا إلى كفاف أو خروج من طبقة الفلاحين إلى طبقات أكثر ثراء وتأثيرا وعصرية، وكانت القاهرة أو مصر كما يسميها الفلاحون أسرع الطرق إلى ذلك.

في الرابع من مايو/أيار 1928 التحق مبارك بقطار الحياة المنطلق بسرعة مجنونة يضيف إلى ملايين مصر الصاعدة اسما جديدا سيكون أبرز أسمائها وأكثرهم تأثيرا في حياتها لعقود من الزمن.

في قرية كفر مصيلحة بدلتا نهر النيل فتح مبارك عينيه على الحياة أول مرة، كانت دلتا النيل تمد القرية بما تيسر من روافد الحياة وترسم ملامح البسمة على شفاه مصر الصعيدية.

 

في كلية سلاح الطيران.. عام النكبة

درس مبارك في مدارس القرية قبل أن يلتحق بالكلية العسكرية بعد حصوله على الثانوية العامة، وحصل على شهادة البكالوريوس في العلوم العسكرية سنة 1948، هل كان من مصادفات الأقدار أن يكون دخول مبارك لعالم العسكرية في نفس عام النكبة الكبرى الذي خرجت تحت لهيبه أجزاء كبيرة من أرض فلسطين من الحرية إلى الاحتلال الإسرائيلي المؤلم.

واصل مبارك دراساته العسكرية من بوابة سلاح الجو، حيث نال درجة البكالوريوس في العلوم الجوية عام 1950 من كلية سلاح الطيران، ليبدأ بذلك رحلة تحليق عسكري وسياسي، انتهت به في مهابط الحكم جاثما على صدور المصريين طيلة ثلاثين سنة كما يقول خصومه، أو بانيا لنهضتها الجديدة كما يقول أنصاره الذين كانوا يُعدون بالملايين ثم تفرقوا عنه، فمنهم من انقلب عليه وأحاله للسجن، ومنهم من أحال نفسه إلى تقاعد سياسي غير مريح.

حسني مبارك تخرج عسكريا عاديا من سلاح الجو المصري ولم يكن يحلم يوما بأن يصبح رئيس مصر

 

رحلة محلقة.. سياسة السير جنب الحائط

تدرج مبارك في وظائف متعددة منذ تخرجه طيارا عسكريا سنة 1950، حيث عمل في قطاعات متعددة من سلاح الجو المصري، حين كانت مصر الخمسينيات لهيبا من الثورة والغضب تجاه أوضاع توغل في التدهور والانهيار، وكانت الأحزاب والقوى السياسية تنادي كل يوم بحثا عن حرية مفقودة وأمل تتلاعب به أمواج النيل ونياشين قصر عابدين.

وفي الجيش الذي ينتمي مبارك إلى سلاح جوه، كان هنالك حراك هائل يوشك أن ينفجر، ثم انفجر في ثورة يوليو/تموز 1952 وأطاح تنظيم الضباط الأحرار بالملك فاروق، وبدأت صفحة جديدة من تاريخ مصر بقيادة محمد نجيب، وسرعان ما دخلت مصر تحت عباءة عبد الناصر وانطلق مشروع آخر واكبه كثير من الاعتقالات والعنف والتصفيات داخل المؤسسة العسكرية وفي صفوف المدنيين.

كان مبارك عسكريا من حزب الكنبة، لا يهتم بما يجري حوله كثيرا، وهو ما مكنه من غرس أقدامه بسرعة في أرضية الثقة والولاء العسكري ليعيَّن سنة 1964 قائدا لإحدى القواعد الجوية غرب القاهرة ليكون بذلك أصغر طيار عسكري يقود وحدة من ذلك المستوى والنوع والأهمية (قاعدة جوية).

وكانت مصر يومها ناصرية تضج بالثورة والنضال والسعي الحثيث لاقتلاع إسرائيل من جذروها، أما جذور إسرائيل فقد كانت تتمدد في الأراضي العربية وتدخل رويدا رويدا إلى عقول وقلوب قادة عرب سعيا إلى سلام وصف في أحيان كثيرة بـ"سلام الشجعان".

يقول خصوم مبارك إن الكفاءة لم تكن -وبصيغة أخرى لم تكن وحدها- هي ما رفع مبارك إلى سلالم القيادة، بل كان سيره الدؤوب "جنب الحائط"، واستعداده الدائم لأداء تحية عسكرية خالصة لقادته، وأداء المهام على أكمل وجه.

نكسة يونيو/حزيران كانت طامة كبرى على مصر على مرأى ومسمع من الجنرال حسني مبارك

 

عام النكسة.. رب ضارة نافعة

في سنة 1967 كانت مصر على موعد مع حدث قتل كبرياءها الكبير ورماه في سلة مهملات الهزيمة، كان مبارك في المطار العسكري بالقاهرة يوم هبطت قذائف الموت بسرعة مهولة لتقضي على قوة مصر الجوية وتعيد ما بنته القوات الجوية -ومن رجالها مبارك- طوال عقدين هشيما تذروه رياح الهزيمة.

أبدعت العقلية العربية في تسمية هذه الكارثة التي حلت بمصر الناصرية المزهوة بخُيلائها وخطابها السياسي والفكري المنتشر، تعددت الأسماء وكان من أخفّها اسم "النكسة" التي كانت سببا في مراجعات فكرية واسعة خارج مصر، حاولت فيها الذات العربية التائهة البحث عن مرفئ فكري جديد، بعد نكسة الناصرية تحت القذائف الإسرائيلية.

باتت رئيسة الوزراء الإسرائيلية حينها "غولدا مائير" وهي تنتظر ردة فعل العرب الغاضبة، تترقب أمواج النار التي ستقتلع إسرائيل، وكشف الصباح أن الغضب لم يتجاوز الحناجر المُفعمة بالثرثرة في إذاعة صوت العرب، كما يقول البعض. كانت حرب الأيام الستة ماحقة لكبرياء مصر وخصوصا مبارك الذي عاد في قطار الهزيمة، يجر أذيال خيبة عانت منها مصر كثيرا.

غير أن تلك الهزيمة كانت بوابة ترقية بالنسبة لمبارك الذي عُين بعد حرب الأيام الستة، مديرا للكلية الجوية سنة 1967، ثم رئيسا لأركان حرب القوات الجوية المصرية مكلّفا بإعادة بناء القوات الجوية المدمرة، وقد عمل طيلة تلك الفترة تحت إمرة قائد وصفه كثيرون بالشجاع والمتميز هو سعد الدين الشاذلي الذي سينال بعد ذلك كثيرا من التنكر من مبارك ونظامه.

بعد حرب أكتوبر، عيّن السادات حسني مبارك رئيسا لأركان حرب القوات المسلحة المصرية في عام 1975

 

بطل أكتوبر.. معركة المآذن العالية

هبطت النكسة على مصر الفتية هبوط الصاعقة، حلّق مبارك هذه المرة ناجيا بنفسه وطار إلى الأُقصر ليبدأ رحلة جديدة تسعى فيها مصر لبناء ذاتها العسكرية بعد أن انهارت كشظايا مرآة سقطت على أرضية صلبة وتطايرت شظاياها الجارحة تخترق شرايين مصر الحانقة على قادتها الذين يراكمون الهزائم والوعود الجوفاء.

وقع اختيار عبد الناصر على مبارك الضابط الهادئ المتقن لتخصصه ليقود القوات الجوية المصرية ابتداء من 1972، وليعمل تحت إمرة سعد الدين الشاذلي بقوة من أجل الوصول إلى لحظة النصر.

كان الشاذلي حينها أحد أبرز القادة العسكريين العرب، وقد تدرج في المناصب العسكرية حتى وصل إلى رئاسة أركان حرب القوات المسلحة المصرية، وبقي في ذلك المنصب في الفترة ما بين 16 مايو/أيار 1971 وحتى 13 ديسمبر/كانون الأول 1973، ووُصف بأنه صاحب خطة حرب أكتوبر التي حملت اسم "المآذن العالية".

أدت تلك الجهود المتواصلة إلى هزيمة إسرائيل في حرب أكتوبر، وكان سلاح الجو بطلا من أبطالها الكبار، فاحتفت مصر بمبارك وبالأحرى بجيشها الكبير الذي رددّ "الله أكبر" وهو يعبر خط "بارليف".

 

السادات الذراع اليمين لعبد الناصر قائد هزيمة يونيو/حزيران 1967

 

مكافأة نهاية الخدمة العسكرية.. شرعية النصر

توقع مبارك بعد أن أدى مهمته على الوجه الأحسن بالنسبة له، وتوقع جائزة نهاية خدمة تناسب النصر الكبير الذي تغنّت به الشعوب العربية من المحيط إلى الخليج، فلم يكن ضابط حزب الكنبة يتوقع ترقية أعلى، بل كان قصارى همه -كما يرى بعض العارفين به- يومها أن يكون سفيرا لمصر في إحدى العواصم الكبيرة، لترافقه سوزان ثابت زوجته الجامعة بين هوية مصرية وخؤولة إنجليزية.

لكن السادات اعتبر النصر سبيله الأوحد لإقامة حكم جديد يتنكر لكل الشعارات الناصرية، بل ويتنكر لنصر أكتوبر ليجعل منه الطريق الأقصر إلى السلام مع إسرائيل، أقام شرعية النصر مكان شرعية الثورة، وأقام رجاله الجدد مكان رجال عبد الناصر، وسعى إلى تحقيق السلام مع إسرائيل سعيا إلى نيل الرضا الغربي عنه.

وكما وجد عبد الناصر في مبارك الضابط الصامت الذي يمكن أن يعيد بناء الطيران العسكري، فقد وجد فيه السادات أيضا نائب الرئيس المثالي الذي يمكن أن يحال إليه الملف الأمني ريثما يتفرغ السادات للملف السياسي ولدبلوماسية السلام مع الجار المحتل.

ماتت الناصرية.. لم يبق منها إلا اسم على غير مسمى وذكريات في أسطوانات كوكب الشرق.

خالد الإسلامبولي يغتال السادات ليفتح الطريق نحو مستقبل مظلم لمصر

 

طريق الرئاسة.. رصاصات الإسلامبولي

أشاد السادات بالصفات التي ينبغي أن تتحقق في نائبه الجديد، ومنها أن يكون بطلا عسكريا، ومحاربا أيضا.. رأى السادات في مبارك ما يؤهله للمنصب، فقد أصبح وفق معطيات الواقع محاربا تحت سقف الهدوء والانضباط والالتزام، كما أنه تابع مخلص، ولا يتطلع وفق ما تشي به الملامح والإشارات لما هو أعلى من ذلك، ولأجل ذلك اختاره لهذا المنصب في 16 أبريل/نيسان 1975، وهو اختيار شكّل مفاجأة للجميع بمن فيهم مبارك نفسه، ثم اختير لاحقا وتحديدا في العام 1978 نائبا لرئيس الحزب الوطني الديمقراطي.

رافق مبارك السادات كظلّه الذي لا يعصي له أمرا قبل أن يقرر الموتُ إفساح الطريق لمبارك إلى رئاسة مصر، وكانت اللحظة التي انطلق فيها رصاص خالد الإسلامبولي فارقة ومؤلمة، فمات السادات وكاد مبارك أن يموت لولا أنه اختبأ -وقيل إنه لم يكن مستهدفا أصلا- تحت بعض المقاعد قبل أن ينقذه حرسه مغادرين به مسرعين، ولكن إلى الرئاسة.

بعد اغتيال الرئيس محمد أنور السادات في عام 1981 وصلت السلطة لحسني مبارك على طبق من ذهب

 

دفة القيادة.. عصر الرئيس المتمكن

أصبح محمد حسني مبارك رئيسا لمصر سنة 1981، واستلم دفة القيادة بأشواق كبيرة إلى هذا المنصب الذي وصله دون أن يبذل جهدا كبيرا، أو مخاطر جمة في الوصول إليه، ومع الزمن توثقت العلاقة بين الفريق مبارك وكرسي الرئاسة، بينما كان المصريون قد دخلوا معه في "ستين نيلة"، واسودت حياة بعضهم وأشرقت لثلة متعددة بوابات حياة واسعة من الثراء والتحكم والتمكن.

وقد وجدت سوزان مبارك القصر الفسيح والحكم والثروة، وبدأت مصر تأخذ وجها جديدا دائري الملامح، يملك حنجرة ذهبية وصوتا أخّاذا وعصا يلوّح بها إلى الشعب الذي يراد له أن يعيش بعيون محدقة في الأرض بحثا عن قوت يوغل في الأعماق، ولا يمكن لأظافر المُعدمين أن تواصل البحث عنه.

السادات قدوة حسني مبارك، فعلى خطاه سار في السلام مع إسرائيل

 

ميراث السادات

ورث مبارك من السادات -من بين أشياء عديدة- السلام والتقارب مع إسرائيل، والخصومة مع التيارات الإسلامية والحرب عليها، وورث منه الحكمة الساداتية المعروفة "لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة".

عزز مبارك طيلة سنواته الثلاثين علاقته مع إسرائيل، فكانت تزداد كل يوم عمقا ورسوخا، فقد فهم مبارك بقوة الدور الذي يمكن أن يقوم به في المنطقة، وفهم أيضا أحلام وآمال وإرادات القوى الغربية، فسار في ظل الحائط من جديد يحقق للقوى الدولية الكبرى ما تصبو إليه ويسير في ظلالها دون أي اعتراض.

كانت مصر راعيا وعرّابا للسلام بين الرئيس السابق ياسر عرفات ودولة الاحتلال، وبدا أن تعزيز وحماية السلام الحامي لحدود إسرائيل كانت الوصية الخالدة التي حافظ عليها مبارك من تراث الراحل السادات. وفي خطابه الأول أكد مبارك أنه سيسير على درب الرئيس المناضل؛ درب الديمقراطية والسلام.

وورث منه أيضا أزمته مع الأقطاب، وخصوصا مع البابا شنودة، غير أن العلاقة سارت كأحسن ما يرام وتصالح الرجلان، واستمرت أزمات مصر على الضفة الأخرى بكل وضوح تقتات من عرق مصر التي دخلت في قبضة آل مبارك وخرجت -أو تراجعت على الأقل- في مساحات عديدة في جغرافيا التأثير والنفوذ إقليميا وعالميا.

صورة تجمع الرئيس حسني مبارك والزعيم صدام حسين والملك حسين قبيل غزو الكويت

 

أزمات الإقليم.. حرب الكويت

خلال عشريته الأولى، سار مبارك في مواجهة أزمات سياسية واجتماعية خانقة، وأزمات عربية تأكل من صورة مصر الكنانة، فكانت إسرائيل التي ضمنت صداقة مصر قد تفرغت للبنان وصبرا وشاتيلا اللتين كتبتا أبشع قصة للطغيان والسادية الإسرائيلية وللخيانة العربية، ومصر المباركية كانت أيضا خارج الجامعة العربية، واستمرت الحرب العراقية الإيرانية، لسنوات طويلة وانتهت بشبه هزيمة للطرفين.

بحث الرئيس الراحل صدام حسين عن فريسة أخرى وكانت الكويت الأقرب إليه، وانطلقت جيوشه لتُحكم قبضة الاحتلال على الكويت، فوجد مبارك فرصة هائلة لإعلان التضامن العربي مع الكويت ولإنقاذ اقتصاده بلاده المنهار، وللعمل من أجل إضعاف نظام صدام الذي كان أقوى نظام عربي مناوئ لمبارك وسياساته في تلك الفترة، فخاض الجيش المصري الحرب ضمن قوات التحالف الدولي التي حررت الكويت، ولم ينس الكويتيون لمبارك تلك الخدمة الجليلة.

ثورة يناير التي أطاحت بحكم الرئيس حسني مبارك في 2011 ليبدأ عصر مصر الجديد

 

ما قبل الثورة.. أليس لي ملك مصر؟

كان في مصر ضفتان للنيل المباركي الجديد، ضفة مبارك وآله وأتباعهم من قادة الحزب الوطني وكبار المسؤولين والتجار ورجال الأعمال والضباط، وكان أولئك يعيشون في ظلال مبارك وأنهاره، وعلى الضفة الأخرى مبارك "الفرعون" الهادئ الذي يردد لمعارضيه "أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي؟".

ألقى مبارك على أتباعه أسورة كثيرة من ذهب وفضة وماس، وعلى الضفة الأخرى أذاقت السنوات المباركيات شعب مصر من الجوع والفقر ما لم يكونوا يتصورون زيادة عليه، ولكن في جعبة الدهر مزيدا كان يُدّخر لعهد السيسي.

في سنواته الأخيرة وهَن عظم مبارك واشتعل رأسه شيبا، لكنه كان يداري وهن العظام بالاعتماد على فكرة توريث الحكم لأبنائه، ويداري شيب الرأي بمساحيق تغطي الشيب لكنها لا تقنع مصريين بأنه قوي ليخدمهم، فقد بدا في نظرهم نظاما وحشيا وضعيفا ومنهارا.

محاكمة الشيخ الشائب.. أيام السجن الملكي

في الخامس والعشرين من شهر يناير/كانون الثاني 2011 تحركت أفواج مصر الهادرة باتجاه الميادين الكبيرة، ورددت الحناجر الغاضبة "ارحل".. ردّدوها بصوت جسور غاضب جدا، تردد صداه في القصر الجمهوري وداخل أروقة الجيش المصري، فخرج مبارك في زينته أسود الشعر فارع القامة، وألقى خطابا أبويا للشعب المصري، لكن ذلك لم ينجح في استلال الغضب المتأجج، وانتهى الأمر بإعلان تنحّي الرئيس عن السلطة يوم 11 فبراير/شباط 2011، ودخلت مصر إثر ذلك عالما جديدا تحت سقف سلطة الجيش، وحداء الجماهير.

أحيل مبارك وأبناؤه إلى "سجن ملكي" ينعمون فيه بمعاملة خاصة، وظهر مبارك إنسانا عاديا هذه المرة في محاكمات استمرت سنوات قبل أن تنتهي إلى تبرئته، ظهر مبارك خلالها شيخا شائبا برأس شمله بياض الشيب وبعينين زائغتين.

وفي 2014 أُسقطت الاتهامات الموجهة لمبارك في الوقت الذي شن فيه السيسي حملة أمنية على جماعة الإخوان المسلمين، كانت أشد قسوة من أي خطوات اتخذت في عهد مبارك، وبعد ثلاث سنوات واستئناف النيابة الحكم قضت محكمة النقض؛ أعلى محاكم الاستئناف في مصر ببراءة مبارك وسمحت له بالعودة لبيته في حي مصر الجديدة بالقاهرة، وهو لا يبعد كثيرا عن مقر رئاسة الجمهورية الذي شغله مبارك زهاء ثلاثة عقود.

وفي الخامس من فبراير/شباط 2020 عاد مبارك مرة أخرى إلى دائرة الاهتمام؛ بعد أن أُعلن عن نبأ وفاته ورحيله عن عالم سار فيه 91 حولا قضى الجزء الأهم منها في أروقة المناصب ودواليب السلطة.

الرئيس المنتخب محمد مرسي يُخلع من منصبه بانقلاب عسكري ويُحاكم ثم يموت في سجنه

 

بين مبارك ومرسي.. تمييز في الحياة وفي الممات

مكث الرئيس المعزول الراحل محمد مرسي سنة في الحكم الذي وصل إليه عبر انتخابات نُظمت بعد الثورة التي أطاحت بنظام مبارك، وقد كان مرسي طيلة عقود أحد ضحايا سجون مبارك، يتردد عليها بين الفينة والأخرى، ولكن الجماهير الثورية نقلته إلى سُدّة الحكم، وقذفت به هنالك وحيدا بين غابة من الرموز العسكرية.

لم يملك مرسي انتماء مبارك إلى الجيش ليحمي ظهره بذلك، ولم يملك جرأته في التخلص السريع من النمور المحيطة به، كما لم يملك أيضا -وفق ما يقول البعض- قدرته على التكيف للسير في ظل الواقع المحيط، والتعاطي مع أهداف ومطالب الثورة المضادة.

كان كل واحد منهما قادما من عالم مختلف، وكانت النهايات مختلفة كذلك وحتى السجون مختلفة، فقد ذاق مرسي مرارة السجن والعزلة والحرمان من الدواء، وانتهى به الأمر ميتا أو قتيلا، لتعلن السلطات الرسمية لمصر وفاته بخبر مقتضب، دون أن تسمح لذويه بإقامة جنازة خاصة له، ودون أن تعلن عليه الحداد.

وعلى عكس كل ذلك نال مبارك "سجنا ملكيا" وأحكاما قضائية "مهذبة" وهادئة ظلت تُشذّب حتى وصلت إلى البراءة، وحدادا رسميا بعد الموت.

في الوقت الذي دُفن فيه الرئيس مرسي ليلا، تقام لحسني مبارك جنازة رسمية يحضرها الرئيس السيسي

 

دموع النيل على مبارك.. رحم الله الحجاج

سيبكي ملايين المصريين على مبارك الذي هتفوا ضده، فعواطف جيران النيل جياشة منذ قرون تفيض مثل شلالاته، لكن ربما يبكي الملايين أكثر لأنهم لم يكونوا يتوقعون أن في سلة الدهر من العذاب والجوع والدماء أكثر مما ذاقوا في عهد مبارك، ففي مصر السيسي سبح المصريون في بحار الدم في ميدان رابعة وأخواتها، وامتلأت السجون بعشرات آلاف المعتقلين من نساء وشباب وكهول مصر.

توزعت عدالة القمع أخيرا على الجميع، فقد كان مبارك يدغدغ المشاعر بالوعود الوردية، أما السيسي فقد صرخ في المصريين بصوت واضح "إنتو هتاكلو مصر يعني؟" ولما لم يجد الجواب أخذ هو في أكل مصر، كما يقول خصومه.

 

ذات صلة