بورتريه

نجيب محفوظ.. الروائي المخضرم والفيلسوف المشتت

 

في مثل هذه الأيام قبل نحو 31 عاما حصل الأديب المصري نجيب محفوظ على جائزة نوبل في الأدب، وبهذه المناسبة تفتح الجزيرة الوثائقية ملف هذا الأديب بما له وما عليه في أربع حلقات، ونبدأ بالأولى بعنوان "النجيب.. بين ثورتين" وتتناول بدايات الرجل منذ ثورة 1919 وحتى ثورة الضباط الأحرار في 1952.

حبيب مايابى

على وتر الربابة وحكايات الأدب، كانت المقاهي في مدينة القاهرة تفتح أبوابها بكرة وأصيلا أمام عشاق الفن والغناء والهدوء.

وفي الطريق الذي يؤدي لمدرسة الحسينية بحي الجمالية، كانت تقع قهوةٌ كثيرا ما تستضيف العازفين والمغنين لإمتاع الحضور وأسر قلوبهم بالطرب.

مجالس تلك القهوة ومعازفها، ساهمت في نحْت شخصية الأديب نجيب محفوظ الذي يعتبر واحدا من أكثر الشخصيات الأدبية تأثيرا وحضورا في العالم العربي خلال القرن العشرين.

وقد كان عطاء الأديب وسيرته ومسيرته محورا لسلسلة أفلام أنتجتها الجزيرة الوثائقية سنة 2015، أبحرت في تاريخه كواحد من أبرز الأعلام الذين أسهموا في إثراء الساحة الثقافية، وتركوا للقارئ العربي ركاما من المعارف الأدبية والفكرية.

وفي السلسلة الوثائقية جاءت حكاية نجيب محفوظ عبر قراءة أعماله وتحليل ما وراء السطور والاستماع لشهادات رفاقه وآراء العديد من الكتاب والنقاد.

وفي الحلقة الأولى التي تحمل عنوان "النجيب.. بين ثورتين"، تناول الفيلم حياة الأديب في الفترة التي عاشها بين ثورتي 1919 و1952.

ابن الثورة والقهوة

في الحادي عشر من ديسمبر/كانون الأول 1911، كان عبد العزيز إبراهيم أفندي يشاهد الحالة العسيرة لولادة زوجته، فاستدعى رائد علم أمراض النساء في مصر نجيب محفوظ باشا ليشرف على الحالة الصحية لامرأته.

وبعدما نجح في توليدها، قرر الوالد عبد العزيز أن يسمي ولده باسم الطبيب الذي أنقذ حياة زوجه وولده فسماه "النجيب محفوظ".

أبصر الطفل نور الحياة في حي الجمالية بمدينة القاهرة، وفي طفولته المبكرة شاهد وقائع الثورة المصرية سنة 1919 عندما كان تلميذا في مدرسة الحسينية وهو في الثامنة من عمره، فحينها كان الطفل الصغير ذاهبا إلى المدرسة، لكنه وجدها مغلقة، وكان يكرهها لأنها بالنسبة له مكان للإكراه وفرض الإرادة والقهر. وعندما علم أنها مغلقة بسبب الثورة، دعا الله أن يبارك في الثورة، وأن تستمر إلى الأبد، وعندها تكونت لديه علاقة إيجابية مع حراك الجماهير وتطلعها للتحرر، وتبلور الزعيم في خياله وفؤاده حينذاك على أنه "سعد زغلول".

وفي بداية القرن العشرين كانت المقاهي في مدينة القاهرة مكانا لجذب الأدباء وعشاق الفن، وفي طريقه للمدرسة كان الولد نجيب محفوظ يسترق السمع لعازف آلة الربابة في القهوة التي تقع في طريقه.

وفي حديثه عن علاقته بالقصة والأدب، قال إن بدايته كانت مع المقاهي في حي الجمالية، حيث كانت كل قهوة لها شاعر يحكي قصة شعبية على وتر الربابة.

وأضاف محفوظ في حديث مسجل أنه في أيام الطفولة الأولى لم يكن باستطاعته أن يدخل القهوة بحكم عمره، وإنما كان يقف عند الباب ليسمع الحكايات المعزوفة.

ومن حب القراءة وقعت بين يديه قصة قصيرة بعنوان "ابن جونسون" وجدها مع زميله في المدرسة، فكانت من بواكير ما قرأه خارج مقررات المدرسة، وبعثت فيه حبا للرواية والأدب.

يقول عضو شلة الحرافيش زكي سالم إن نجيب محفوظ بعد ما قرأ الكثير من الروايات القصيرة، بدأ يكتب القصص التي قرأها بلغته ويوقع عليها باسمه.

ويذكر صاحب كتاب "أنا نجيب محفوظ" الكاتب إبراهيم عب العزيز أن نجيب قرأ "الأيام" لطه حسين وأعاد كتابتها بأسلوبه وسمّاها "الأعوام"، وقرأ كذلك روايتي "النظرات" و"العبرات" للطفي المنفلوطي وأعاد كتابتهما بأسلوبه وسماهما "الحسرات".

وقد كان والده يريد منه أن يدرس الطب أو الحقوق، لكن كانت والدته أرادته أن يختار بنفسه الطريق الذي يراه مناسبا.

يقول الكاتب والمفكر الدكتور مازن النجار كان نجيب يفكر في أن يكون موسيقيا، أو لاعب كرة قدم مهم.

وفي صباه كان نجيب مهتما بلعب كرة القدم وتشغل كثيرا من وقته، وكان هدافا متميزا في فريق قلب الأسد الذي كان يلعب فيه، وكان يعتقد أن الإنجليز لا يمكن هزيمتهم إلا إذا لعبوا مع المصريين، كما يقول عنه إبراهيم عبد العزيز.

نجيب محفوظ أبصر نور الحياة في حي الجمالية بمدينة القاهرة عام 1911

في رحاب الفلسفة

في سنة 1930 وبعدما حصل على شهادة الثانوية العامة، توجه نجيب لجامعة القاهرة ليقف أمام لجنة التوجيه في كلية الآداب التي يرأسها طه حسين، ويخبرهم أنه يرغب في الالتحاق بكلية الآداب.

وفي مشاركته بالوثائقي قال مؤلف كتاب "المجالس المحفوظية" جمال الغيطاني إن طه حسين سأل نجيب محفوظ عن سبب رغبته الالتحاق بكلية الآداب، فأجاب: أريد أن أدرس أصل الوجود. فقال له طه حسين: إذا اذهب إلى كلية الفلسفة.

ومن خلال البحث عن بداية الوجود عبر آراء الفلاسفة زاد شغف نجيب بالقراءة وتعلق بالكتب، فقرأ محاورات أفلاطون وقوانين أرسطو.

وطيلة المرحلة الجامعية كان يواظب على حضور درس طه حسين في الأدب رغم أنه لم يكن ضمن المناهج المقررة عليه.

يقول إبراهيم عبد العزيز إن نجيب وزملاءه كانوا يذهبون لسماع محاضرات طه حسين في كلية الآداب، رغم أنها لم تكن ضمن منهجهم الدراسي.

ويرى الدكتور مازن النجار أن نجيب لم يتأثر كثيرا بأفكار طه حسين، وإنما تأثر أكثر بالفلسفة وأفكارها البعيدة.

وفي دراسته تبين أنه لم يكن يسعى لقراءة الفلسفة وإنما كان يريد أن يكون فيلسوفا، وفي رحلته عن طلب الحكمة وأصحابها، تعرف على مجدد الفلسفة الإسلامية في العصر الحديث الشيخ مصطفى عبد الرازق.

يقول إبراهيم عبد العزيز: رافق نجيب الفيلسوف الإسلامي الشيخ مصطفى وزاره في منزله حتى فتح له الأخير مكتبته واهتم به.

تعلم محفوظ الكثير من الشيخ وأنار له الطريق، فأعجب به واعتبره من القلائل الذين يجمعون بين الأصالة والمعاصرة ويعيشون سماحة الإسلام ورحابته.

وفور تخرجه، حصل على وظيفة في الجامعة محققا بذلك حلما يراود كل الطلاب الحالمين بمستقبل مشرق، لكن الوظيفة بالنسبة للمفكر والأديب قد لا تسد حاجته من الأجوبة على أسئلته المتجددة.

في أيام الطفولة الأولى لم يكن باستطاعه محفوظ أن يدخل القهوة بحكم عمره،فكان يقف عند الباب ليسمع الحكايات المعزوفة

في عالم الرواية

وأصبح نجيب محفوظ يعيش صراعا مع نفسه يتمحور حول المستقبل وما يحمله من نجاحات وانتكاسات، وهل يكمل مع الفلسفة أم يبحث عن طريق أخرى.

فعلى الرغم من أنه نهل من معين الفلسفة، فإنه لم يستطع التخلص من خواطر الأدب وحكاياته التي عاشها بين مقاهي الجمالية ومدرسة الحسينية، فأصبحت تتنازعه الرواية التي عشقها صغيرا والفلسفة التي قرأها يافعا.

ويقول كاتب ومحرر دورية "نجيب محفوظ" حسين حمودة إن نجيب رأى أنه عنده الكثير من الأفكار التي يمكنه أن يقدم فيها الفلسفة من خلال الأدب، فاختار طريق الأدب.

وكانت بدايته مع الكتابة والأدب عن طريق عالم القصة والسرد، وعانى في البداية كثيرا من عدم التعويض عن النشر، حيث نشر 80 قصة من دون أجر.

وعندما طُبعت مجموعة قصصه القصيرة التي كانت بعنوان "همس الجنون" صنع جسرا للقارئ نحو الفلسفة، وبدأ اسمه يتداول في ساحة المثقفين والقراء.

وبعد نجاحه في "همس الجنون" أراد أن يدخل عالم الرواية، فرجع إلى خياله الواسع الذي طالما حدثه عن الحظ والقدر، وكتب روايته الأولى بعنوان "عبث الأقدار". وكان الدافع له في هذه الرواية دافعا وطنيا، حيث كان يستحضر تجربة مصرية قديمة في التعامل مع السيطرة الأجنبية والاحتلال والتحرُّر من ذلك الاحتلال، ثم كتب "رادوبيس" و"كفاح طيبة".

ويرى الكاتب الدكتور حازم حسني أن رواية "عبث الأقدار" ربما تكون مفتاحا لشخصية نجيب الروائية، لأن لديه فكرة الحظ أو القسمة والنصيب الذي عبر عنه بعنوان الرواية.

ويرى الكاتب الصحفي مؤمن المحمدي أن نجيب اعتمد على التاريخ في روايته الأولى كمصدر أساسي للعناصر المكونة لشخوصها وأحداثها كما في "كفاح طيبة" و"رادوبيس" و"عبث الأقدار".

ويعتبر الروائي طلال فيصل أن نجيب بعد هذه الروايات الثلاث أحس أن الوقت غير مناسب لاستدعاء التاريخ في رواياته، لأن الأوضاع ساخنة والساحة مليئة بالصراعات.

ويدعم ذلك زكي سالم عضو شلة حرافيش، ويقول إن نجيب اكتشف أن ما يريد أن يقوله عن الواقع ليس هناك ما يلزمه أن يرتبط بالتاريخ، وأنه يمكنه أن ينتقل إلى الواقع مباشرة.

فور تخرجه، حصل نجيب على وظيفة في الجامعة

نمط جديد

وبعدما بدأت الحرب العالمية الثانية وأصبحت الدولة المصرية ساحة للقوات الأجنبية، ساءت الأوضاع الاقتصادية، فبدأ محفوظ يكتب عن الواقع وكان حينها قد تجاوز الثلاثين بأعوام قليلة.

وعندما اتجه للكتابة الواقعية، وجد مكانا أكثر رحابة وأسهل في استخدام الرموز وتعدد الشخوص، فكتب رواية "القاهرة الجديدة" التي تعتبر من بواكير الكتابة الواقعية لدى نجيب.

ففي هذه الرواية كان المكان هو أحياء وشوارع القاهرة، والزمان منتصف الثلاثينيات، والشخصيات عبارة عن مجموعة من طلبة الجامعة، ورجالٌ من طبقة راقية يتلاعبون بالمال وسطوة الحكم، وبينهم أُسر تتلوَّى تحت فقر لا يرحم، وطموحٌ يلطّخه العار.

وعندما أطلق نجيب قلمه في تشخيص الواقع وتصوير المشاهد التي يعيشها المجتمع المصري، لم يعد بحاجة لأن يبحث عن الموضوع ويستدعي التاريخ ليقدم للقارئ طرحا متكاملا يُسقطه على الواقع، لأن الأزمات والثورات التي تعيشها دولته تكفيه إلهاما واستنطاقا للأحداث فكتب وناقش ونقد.

ثم جاءت روايته التالية "خان الخليلي" التي كانت أقرب للواقع، حيث عالجت مشكلات تدور في أحد أكثر أحياء القاهرة شهرة بالطبقات الهشة والمتوسطة.

في هذه الرواية اتجه محفوظ إلى الأزقَّة المخنوقة التي ضاقت على من فيها الأرض بما رحُبت، صاغ كتاباته عن شخوص من لحم ودم ومُعاناة، واستضاف في مشاهد رواياته مشاهد حية من أعماق النفس المصرية، اقتطع تكوينات جديدة في الزمان والمكان ودمجها في جسد الرواية العربية التي لم تدخل من قبل إلى فُرن بلدي، ولم تسمع حوارات الجالسين في المقاهي قبل أن يأخذ نجيب بيديها إلى ذلك، كالشخصيات الصغيرة في "زقاق المدق": الفرَّان وزوجة الفرَّان وصاحب القهوة.. تلك الشخصيات لم يكن يُكتَب عنها، وكان يُكتَب فقط عن الشخصيات الجليلة الراقية المؤثِّرة في التاريخ.

وبعدما تركت روايات محفوظ صدى كبيرا في الساحة المصرية، كتب عديد من أصحاب الأدب والشخصيات العلمية عن موهبته وتجديده في عالم القصة والرواية.

ففي مجلة الرسالة الجديدة كتب سيد قطب مقالات عن نجيب محفوظ، وقال إنه وضع الرواية العربية في خارطة الأدب العالمي.

وكان سيد قطب الذي أعجب كثيرا بنجيب هو أول من تنبأ بأنه سيأخذ جائزة نوبل لأن أعماله الأدبية فريدة وغير مطروقة من قبله.

ويرى الكاتب بلال فضل أن محفوظ بعدما جرب الكثير من مواهبه كالفلسفة والنقد والسياسة، اقتنع أن أفضل شيء يمكن أن يقدمه أن يكون روائيا، وقد استفاد من الواقع والأحداث التي كانت تدور من حوله.

وأضاف: إن مقولة "كلكم ميسر لما خلق له" تنطبق تماما على علاقة الأديب محفوظ مع الرواية، حيث أدرك أن أكثر شيء يمكن أن يقدم فيه إبداعا هو كتابة الرواية.

ثلاثية محفوظ تدور حول الطبقة المتوسطة بكل مكوناتها في المجتمع المصري

 

الثلاثية الكبرى

بعدما أصبح إنتاج نجيب ينتظره المثقفون ويترصده النقاد كواحد من أكثر المؤلفين إمتاعا للقراء، عمل لمدة ست سنوات على إخراج روايته الكبرى "ثلاثية نجيب محفوظ" ذات الأجزاء الثلاثة.

وفي حديث مسجل قال نجيب إنه استوحى فكرتها من رواية طه حسين "شجرة البؤس" التي أعجب بها كثيرا.

وفي ثلاثيته حاول أن يعالج القضايا الجوهرية التي يعاني منها المصريون، وكيف يمكنهم العمل على استعادة ثورة 1919.

يقول المؤرخ حلمي النمنم: الثلاثية تدور حول الطبقة المتوسطة بكل مكوناتها في المجتمع المصري خلال الفترة الواقعة بين ثورة 1919 والمرحلة السابقة مباشرة لثورة 23 يونيو/حزيران 1952.

وفي الثلاثية ذات الشخوص المتعددة، عكست شخصية الشاب أحمد كمال عبد الجواد الذي يريد دراسة الفلسفة صورة طبق الأصل من نجيب محفوظ.

ويرى بعض المتابعين والنقاد أن أهم ما تميزت به الرواية الكبرى هو تعبير محفوظ فيها عن ذاته، وهو شيء نادر في أعماله.

وعندما انتهى من كتابتها وخرجت للنور جاءت ثورة 1952 التي شكلت منعطفا جديدا في حياته لم يكن يضعه في جدول التوقعات.

وبين ثورتي 1919 و1952 أنتج نجيب محفوظ أهم رواياته في الأدب العربي، وخلق عوالم لم تكن معروفة في تاريخ الكتابة العربية.

وبين ثورة الشعب وثورة الضباط، نقش النجيب اسمه في سماء الفكر والثقافة، وأصبح له مكانة خاصة في نفوس القراء والمثقفين.

وبعد ثورة الضباط، اعتبر الأديب نفسه قد انتهى -ولكل شيء نهاية- حيث ضاعت له أعمال ومشاريع كان يفكر فيها، وتوقف عن الكتابة لسنوات عديدة اقتنع فيها بتغيير مساره في الكتابة وبدأ بعهد جديد.